وداعاً جلال أمين! – بقلم حسين شبكشي

وداعاً جلال أمين! – بقلم حسين شبكشي

الاقتصاد مادة ثقيلة جداً ودسمة للغاية بطبيعتها، وبالتالي حينما يأتي أحد ليبسط المعاني النخبوية المعقدة، ويوصل المعاني بشكل مبسط ومشوق، فسينال مكانة فيها خليط من الاحترام والشعبية. هذا تماماً ما كان عليه المفكر الاقتصادي الكبير جلال أمين، الذي رحل عن عمر يناهز الثمانية والثمانين عاماً، بعد حياة حافلة وعامرة بالإنتاج والإثارة. 
هو نجل أحمد أمين، المفكر والأديب الإسلامي الأزهري المعروف، صاحب كتابي «فجر الإسلام» و«ضحى الإسلام»، وشقيقه الأكبر هو حسين أمين، المفكر ذائع الصيت، صاحب كتاب «دليل المسلم الحزين في القرن العشرين». 
درس جلال أمين في الغرب، وكان أكبر منتقدي سياساته الرأسمالية، كان يسارياً واشتراكياً في طباعه، يفضل أدواراً مركزية للحكومات في الاقتصاد، وكانت لديه فلسفة بسيطة جداً عن الاقتصاد، وهي: «أي نظرية اقتصادية لا تحسّن من حياة المواطنين فلا قيمة لها». انتقد بشدة توغل الشركات متعددة الجنسية وتوحشها، وكان يسميها «سرطان» الاقتصاد. 
بدأ حياته السياسية عضواً في حزب البعث، فرع القاهرة، ولكن سرعان ما انسحب منه بعد أن اكتشف الدجل الذي كان يروّج له بشكل مخادع ومضلل. كان غزير الإنتاج في كتبه ومقالاته، له حضور مميز بشعره الكث الذي كان يرفض «تهذيبه»، وضحكته المجلجلة، طبعاً مع روح مرحة للغاية، وهو يشرح مسائل معقدة للعامة. 
كان قارئاً نهماً، ذا خلفية قوية في اللغة العربية والدين الإسلامي، ولكن أيضاً في الفكر الغربي. فلقد كان معجباً جداً بكانط وهيغل ونيتشه وديكارت. برع في التشريح والتشخيص الاقتصادي والاجتماعي، وربط المؤثرات بين كل منهما والآخر.
عرفته عن قرب، وكانت لقاءاتي به متباعدة، ولكن دائماً ودودة. عرفته صريحاً واثقاً في آرائه وعلمه، لا ينساق خلف التيار الشعبوي مثل غيره من الخبراء والمحللين. كان من أجرأ من واجه الاتهام الغربي للعالم الإسلامي والعربي بالتخلف، واعتبر أن هذه «الرسالة» ما هي إلا وسيلة استعمارية جديدة. 
جلال أمين جعل من مادة الاقتصاد مادة مرحباً بها، وسلسة ومقبولة لقاعدة كبيرة من الناس. لم يكن بعيداً عن إثارة الجدل، كما فعل ذلك في سيرته الذاتية التي كانت ضمن الأكثر مبيعاً في الإصدارات الأخيرة من الكتب، ولكن هكذا كان جلال أمين، عاش حراً وكان علماً ومنارة مختلفة، حتى آخر يوم من حياته. رحم الله المفكر الاقتصادي الكبير جلال أمين، مكانه سيبقى خالياً، فالعملاق قد رحل.

  • 1
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    1
    Share
Close Menu
×
×

Cart