«2001 أوديسّا الفضاء» لكوبريك: خمسون عاماً على النبوءة الخادعة – بقلم ابراهيم العريس

25520181n

انطلاقاً من أن فيلم ستانلي كوبريك الكبير والتأسيسي «2001 أوديسّا الفضاء» يرتبط بما لا يقلّ عن تاريخين، يبدو هذا الارتباط دائماً ذريعة لعودة ما إليه. والذريعة هنا تمكن في أن الفيلم ظهر قبل نصف قرن بالتمام والكمال من يومنا هذا ليؤسس ليس فقط لمخيال جديد في عالم الخيال العلمي، بل لفنون جديدة ولنظرة إنسانية متجددة يلقيها الإنسان على وجوده ومكانه في الكون وعلاقته بالتكنولوجيا ولا سيما بتكنولوجيا المعلومات التي كانت تعيش في ذلك الحين، 1968، خطواتها الأولى. والحقيقة أن البعد التنبؤي لـ «2001 أوديسا الفضاء» سيبدو لنا اليوم أقل أبعاده أهمية نحن الذين قلنا في هذه الزاوية بالذات حين حلّ العام 2001 الذي كان الفيلم يتحدث عنه كحتمية مستقبلية: «نحن الآن في العام 2001. لكننا، معشر البشر، لا نزال نعيش تقريباً الحياة نفسها التي كنا نعيشها في العام 1968. ما يعني أن الكثير من تنبؤات ــ ومخاوف ــ فيلم «2001 أوديسا الفضاء» التي كان عبّر عنها المخرج ستانلي كوبريك، متبعاً أثر كاتب القصة الأصلية التي اقتبس عنها الفيلم، آرثر سي. كلارك، لم يتحقق، أو لم يتحقق على الشكل الذي «تـنبأ» به الفيلم. أو هذا، على الأقل، ما قد ينحو إلى قوله كثيرون اليوم. وربما ما ينحو إلى التأكيد عليه الفيلم نفسه إذ يعاد عرضـه في هـذه الأيام».

> اليوم إذ تحل الذكرى الخمسون لعرض هذا الفيلم، وسيعود إلى الشاشات العالمية خلال الأسابيع المقبلة في نسخة مرممة نجدنا من جديد أمام السؤال نفسه: هل كان الفيلم، حقاً، فيلماً تنبؤياً؟ هل كانت غاية الفيلم استباق الأحداث التي كان يرى أنها ستحصل خلال العقود التالية على عرضه؟

> إن العودة مجدداً إلى قراءة متأنية للفيلم الذي يعتبر دائماً واحداً من أجمل وأعمق الأفلام في تاريخ الفن السابع، ستقول لنا بوضوح، إن الفيلم لم يسعَ إلى أن يكون فيلم توقعات، بل كان أشبه بقصيدة بصرية، غايتها الأساسية التأمل في تاريخ البشرية، لا في مستقبلها. ولئن كان الفيلم قد تضمن ما يمكن أن ينظر إليه على أنه رؤية استشراف مستقبلية، فإن هذه الرؤية كانت جزءاً من بعده التأملي، بما في ذلك تمرد الحاسوب الآلي هال على رواد الفضاء البشر، والرحلات المشتركة إلى عطارد وأجواء الفضاء العليا، بين الأميركيين والسوفيات. كل هذا كان من جملة عناصر شاء منها كوبريك التحدث عن ماضي الإنسان وحاضره، لا عن مستقبله. وفي سياق ذلك يأتي ذلك القسم الرابع، والرائع، من الفيلم، حين يجد رائد الفضاء نفسه، إذ عاد من رحلته ــ أو إنه كان لا يزال فيها!؟ ــ وقد وقف في غرفة يعود أثاثها إلى القرن الخامس عشر، وقد تحول هو نفسه (!) إلى جنين أو إلى مولود ولد لتوه.

> ومن الواضح أن هذا المشهد الرؤيوي إنما أتى في ختام الفيلم وكأنه خاتمة رحلة بيكارية داخل الإنسان نفسه، لا في العوالم الخارجية. ومع هذا، لا بد من الإشارة، إلى أنه ليس من الضروري التوقف عند أي تفسير ها هنا، لأن هذا الفيلم الشاعري والأخاذ، يظل عصياً على أي تفسير، تماماً مثلما هو حال القصائد الكبرى.

> يتألف «2001 أوديسة الفضاء» من أربعة أقسام رئيسية: الأول «فجر البشرية»، وفيه تطالعنا جماعة من القردة التي يتمحـور تطـورها عبر أكلها للنبات. وهذه المجموعة تهددها مجموعة أخرى آكلة للحم. وحين تستيقظ المجموعة الأولى ذات يوم، تجد أمامها نصباً مرتفعاً أسود اللون لا تدرك كنهه. عند ذلك يتعلم واحد من القردة كيف يستخدم عظمة ليقتل بها، آملاً بالحصول على اللحم. وبذلك يكون الكون قد دخل مرحـلة جـديـدة مـن تطوره. الثاني ينقلنا زمنياً، أربعة ملايين عام. وتحديداً إلى العام 2001. وذلك عبر قطعة العظم نفسها التي إذ ترمى في الفضاء فتتحول مركبة فضائية عملاقة تقوم برحلة إلى القمر. والغاية من الرحلة، تمكين العالم الأميركي د. هوارد من سبر أغوار نصب أسود غريب جرى اكتشاف وجوده على سطح القمر. ويتبين أن النصب مدفون هناك منذ زمن بعيد. وأن الذين يقتربون منه يتعرضون لعواصف رهيبة… وفي الثالث وعنوانه «مهمة في المشتري»، نجد أنفسنا بعد ثمانية عشرة شهراً من القسم الأول. ولدينا هنا المركبة «ديسكافري» وهي في طريقها إلى الكوكب المشتري، وعلى متنها رائدا الفضاء الأميركيان بومان وبول، وعدد من العلماء الذين جُمّدوا في الصقيع اصطناعياً، لكي يعادوا إلى الحياة والحركة لدى وصولهم إلى الكوكب. وعلى متن المركبة أيضاً الحاسوب الآلي «هال 9000». وخلال الرحلة يقوم صراع صامت أولاً، ثم صاخب بعد ذلك، بين الحاسوب القادر على الكلام، ورائدي الفضاء. ويتمكن الحاسوب ذات لحظة من القضاء على الرائد بول رامياً إياه في الفضاء اللامتناهي. وفي المقابل يتمكن الرائد بومان من تدمير الحاسوب «هال» على رغم توسلات هذا الأخير. وأخيراً، في القسم الرابع لدينا بقية المهمة في المشتري، ولكن لدينا أيضاً قسماً أساسياً، هو أجمل ما في الفيلم، عنوانه «ما وراء الأبدية». في هذا القسم يتابع بومان رحلته ويلتقي النصب الأسود بالقرب من كوكب المشتري. وهو بعد ذلك، على متن المركبة، يجتاز العديد من المناطق الفضائية الغامضة، ويجد نفسه كالمأخوذ بالخطوط والألوان، وبذلك السفر «البسيكاديللي» عبر اللانهاية. بيد أن المهم هنا هو أن رحلته ليست رحلة في المكان/ الفضاء فقط، بل هي رحلة في الزمان أيضاً، لأن خط سيره سيوصله في النهاية إلى حيث يجد نفسه داخل غرفة يعود أثاثها وديكورها إلى القرن الثامن عشر. وهو داخل الغرفة سيجد نفسه وقد اكتهل ثم شاخ تدريجياً، وخلال دقائق، ومن ثم يجد نفسه مجدداً في مواجهة النصب الشهير الذي لا يزال يجابه الإنسان منذ فجر البشرية. وعند مجابهته للنصب، يتحول الشيخ إلى جنين كوكبي يسبح في الفضاء فوق الأرض. وعلى تلك الرؤية ينتهي الفيلم بعد أكثر من ساعتين ونصف الساعة من بدايته.

> بالنسبة إلى النقاد ومؤرخي السينما يعتبر «2001 أوديسا الفضاء» من أكثر أفلام الخيال العلمي جمالاً وطموحاً، وطموحاً بالتحديد لأن مخرجه شاء من خلاله أن يتجاوز تبسيطية تيار الخيال العلمي وتعقيديته في الوقت نفسه: شاء أن يحقق فيلماً مختلفاً. فأسّس به لتيار سينمائي جديد، بعدما كانت سينما الخيال العلمي شديدة السذاجة والتخطيطية من قبله. وكوبريك نفسه كان يقول عن فيلمه: «لقد حاولت فيه أن أخلق تجربة بصرية تدخل الوعي مباشرة بما تحتويه من قوة عاطفية وتأثيرية». والحقيقة أن كوبريك نجح في ذلك وإلى حد بعيد، ولا سيما إذ ينبهنا مسبقاً إلى أن «كل متفرج حرّ في استنباط الدلالة الفلسفية والرمزية للفيلم». وهو في ذلك الإطار رفض دائماً تقديم أي تفسير للبعد الزمني في الفيلم، أو لدلالة النصب الأسود، أو لمغزى تلك القفزات المذهلة بين زمن وآخر. وحتى للصراع مع الحاسوب. لقد طالب كوبريك متفرجيه بأن يقدموا تفسيراتهم هم.

> ستانلي كوبريك الذي رحل عن عالمنا قبل عامين من العام المفصلي 2001، يعتبر واحداً من أكبر السينمائيين. وهو أميركي الأصل ولد في العام 1928. وبعد أفلامه الأولى، استقر في بريطانيا التي حقق فيها، ولكن ليس عنها، أهم وأجمل أفلامه: أي تلك السلسلة التي يمكن اعتبار كل واحد منها مؤسساً حقيقياً للنوع الذي يخوضه، من «لوليتا» عن رواية فلاديمير نابوكوف، إلى «عيون مغمضة على اتساعها» عن قصة لآرثر شنيتزلر، مروراً بـ «سبارتاكوس» و «برتقال آلي» و «إشراق» و «باري لندن» و «دكتور سترانجلاف» وغيرها من روائع سينمائية، يعتبر «2001 أوديسا الفضاء» أهمها، بل واحداً من أهم الأفلام في تاريخ السينما.

جريدة الحياة