مش أنا… إنه الكومبيوتر! – بقلم خالد القشطيني

مش أنا… إنه الكومبيوتر! – بقلم خالد القشطيني

حدث قبل سنوات أن كتبت شيئاً أزعج بعض القراء، فطُلب مني أن اعتذر لهم. وأتذكر أنني قلت فيه «آسف يا حضرات القراء على هذا الخطأ الذي وقع فيه الكومبيوتر!».
وكفى الله المؤمنين شر القتال. ومن حينها تعلمت على أخطاء الكومبيوتر! وهي متعددة. المرأة التي فقدت زوجها وتستلم بطاقة معايدة في أربعينيته! والرزمة التي يستلمها طفل ويفتحها ليجد مطبوعات إباحية بشعة. والرجل العجوز الذي خرج من المستشفى بعد عملية جراحية لقلبه. يصل لبيته فيجد ضابط التجنيد في انتظاره! عليه أداء الخدمة العسكرية.
هذه كلها عينات مما يقع فيها الكومبيوتر. يسأل المرء عن سر المفارقة فيجد أنها غلطة من الكومبيوتر المحترم. ويظهر أن الموظفين وأصحاب الشركات قد اعتادوا على هذه المفارقات والتجاوزات فألفوا أخطاء الكومبيوتر ووجدوها خير مخلص من المواقف المحرجة. «آسف على الخطأ الذي وقع فيه الكومبيوتر!» وجد المسؤولون أن هذا الجهاز الظريف أمامهم على طاولتهم كثيراً ما يعطي غير النتائج المطلوبة منه. وقد تعلموا عليها. إنهم لا يحتاجون الآن إلى الاعتذار لأي أحد أو تقديم تفسير لخطاهم أو الشعور بأي حرج، وكأنهم لا علاقة لهم في الموضوع. إنه الكومبيوتر يا سيدي وخلاص.
والتفت الناس إلى هذه الإمكانات العجيبة في الأجهزة الإلكترونية. فأصبحوا الآن يرتبون زواجهم عن طريقها. هي التي تقرر الزوجة الصالحة لك. وعندما يفشل الزواج لا أحد ينزعج عن شيء أو يتحامل على أحد أو يشغل القاضي نفسه بالمسؤولية ومن كان السبب. إنه الكومبيوتر يا حضرة القاضي. وتختفي المشادات بين الزوج والزوجة. لا أحد يضرب أحداً بالصحون والأحذية والطنجرات. إنه الكومبيوتر يا بنت الناس! مش ذنبي. هو أنا لي دخل في الموضوع؟ وتزول اللعنة فلا يستشهد أحد بالكلمات الخالدة: الله يلعن اللي كان السبب!
وطوال هذا الوقت يجلس الكومبيوتر على الطاولة في أتم الراحة والكبرياء. وعيونه الخضراء والحمراء والصفراء تتألق وتشتعل وتنطفي، تغمض وتنفتح، وبين الحين والحين تقهقه على مصائبنا وجهالاتنا بصوتها الرقيق والرخيم طو وو وو ط قرقر ررررقر!
ويهرع كل من في البيت أو المكتب أو الشركة أو البنك إلى طاولتها. الكومبيوتر ينادينا! روحوا يا عالمين وانظروا ماذا يريد؟
يا ليت أولادنا وازواجنا وإخواننا يستجيبون لنا عندما نناديهم بنفس الهمة والسرعة. ولكنه الكومبيوتر. ويا ليت، ثم يا ليت أن يستجيب لنا الطبيب، أو نهبّ نحن لمناداته، بنفس السرعة والهمة التي ننادي بها على مهندس الكومبيوتر والأجهزة الإلكترونية.
من يدري؟ ربما هناك إيميل مهم ينتظرنا! ربما هناك ألوف أو ملايين الدنانير على الخط! هيا بنا! ربما هناك خلل فيها تنبغي معالجته فوراً. الكومبيوتر له عالمه وما علينا نحن بني آدم غير أن نقف احتراماً له

جريدة الشرق الاوسط

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
Close Menu