وفاء المزغني: أطفالنا يخافون مثلنا… والكتاب يمنحهم مناعة نفسية

كتّاب من العالم يشاركون في مشروع القراءة للأطفال طوال  شهر… و”هاري بوتر” هدية مجانية عبر الانترنت

استجاب عدد وافر من كتّاب ادب الأطفال والفتيان في العالم للنداء الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية ومنظمة اليونيسف والإتحاد الدولي للناشرين من أجل إحياء مبادرة “العالم يقرأ” في اليوم العالمي لكتاب الطفل الذي يصادف في الثاني من ابريل (نيسان) كل سنة والذي اختارته منظمة اليونسكو في ذكرى الكاتب الدانماركي الشهير هانس كريستيان اندرسن رائد أدب الأطفال والفتيان في العالم. والمبادرة التي تهدف إلى مساعدة الاطفال والفتيان  ودعمهم معنوياً في زمن الحجر المنزلي جراء تفشي وباء الكورونا، تمتد طوال ابريل الحالي ويقدم خلالها الكتّاب العالميون قراءات من قصصهم ورواياتهم بأصواتهم عبر وسائل التواصل المختلفة. وفي المناسبة  قدمت الكاتبة البريطانية جي. كي. رولينغ الجزء الأول من سلسلتها الشهيرة “هاري بوتر وحجر الفلاسفة” هدية مجانية للقراء الصغار وفي لغات عالمية عدة (اللغة العربية ليست ضمنها) عبر الأنترنت.

العالم العربي بدا غائباً أو شبه غائب عن هذه المبادرة العربية على رغم وجود مؤسسات عدة، رسمية وخاصة تعنى بأدب الأطفال والفتيان وتخصص لهم برامج ومعارض ومهرجانات. وقد يحتاج الاطفال والفتيان العرب كثيراً اليوم في هذه الفترة الصعبة، الى القراءة خلال عزلتهم المنزلية، فهي أداة معرفة وتثقيف مثلما هي أداة ترفيه وتسلية.

في حوار مع اندبندنت عربية، تتناول الدكتورة التونسية وفاء المزغني، ظاهرة القراءة لدى الاطفال والفتيان في العالم العربي، انطلاقاً من تجربتها الاكاديمية ومن خبرتها ككاتبة وباحثة ومشرفة على محترفات للكتابة والقراءة في بعض الدول العربية. وتتوقف عند معايير ادب الأطفال والفتيان والمشكلات التي يعانيها عربياً.

عن الدورالمهم الذي يمكن أن تؤديه القراءة الآن في زمن البقاء في البيت بالنسبة إلى الأطفال والفتيان، تقول المزغني: “لا شك في أن القراءة لها دور في كل الأوقات والأزمنة ولكل الأعمار من دون استثناء. فخير جليس في الزمان كتاب، فما بالك بزمن البقاء في البيت حين يكثر وقت الفراغ الذي من الضروري توظيفه في أشياء مهمة ونافعة. وللأسرة دور كبير ومحوري في غرس ثقافة القراءة بين أفرادها وتوفير الجو المناسب لذلك. هذا إجمالاً، فما بالك حين يكون البقاء في البيت قسراً كما يحصل اليوم مع انتشار وباء كورونا، وما يصاحب ذلك من إحساس بالكبت والخوف من المجهول .أطفالنا خائفون ومتوترون وهم أيضاً يعيشون توتّرنا وأحياناً لا يستوعبون ما يحصل حولهم، والتخفيف من هذا الضغط واجب أسري، ويمكن أن يتحقق هذا عن طريق التفكير في نشاط متنوع. ولا مانع من أن يشمل أحياناً كل أفراد الأسرة أو بعضها مثل القراءة الثنائية بين الأب أو الأم وطفلهما في سن الطفولة المبكرة، أو القراءة التفاعلية في سن ما قبل وبعد المدرسة، والقراءة الممسرحة أو القراءة الفردية للطفولة المتوسطة والناشئة أو اليافعين. ويمكن أن تعقد جلسات عائلية من قبيل مقهى ثقافي عائلي مصغر لمناقشة رواية ما أو كتاب ما. وهي فرصة للتمتع بالأجواء العائلية من خلال التجمع حول طاولة الطعام وغذاء الفكر. فالقراءة تعلمنا كيف نكون مرنين وكيف نتقبل الأشياء عندما لا تسير على النحو الذي خططنا له وتعطينا بدائل لعالم أفضل.

ويشاء القدر ونحن في الحجر الصحي أن نحتفل باليوم العالمي لكتاب الطفل الموافق 2 أبريل (نيسان)، والسبب في اختيار هذا الموعد يعود إلى إحياء ذكرى مولد الأديب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن (2 أفريل 1805) والغاية من هذا اليوم التذكير بقيمة الكتاب في حياة الأفراد والمجموعات ومناسبة لتجديد الاهتمام بتحسين نوعية الكتب الموجهة للطفل. فهو خير جليس لهم يزودهم بالمعارف ويسليهم ويثقفهم ويقرّب بينهم على الرغم من تنوعهم الثقافي وبعدهم الجغرافي واختلاف اهتماماتهم وتطلعاتهم.

ترفيه وعلاج

وعن مدى اهتمام الأطفال والفتيان بالقراءة في زمن يقضونه إما أمام التلفزيون أو الإنترنت، تقول: “دور القراءة ترفيهي، مهم للصحة النفسية. فللقراءة بُعد وقائي وعلاجي كما نعلم جميعاً. يكفي أن ترى كيف أصبحت رفوف المكتبات العامة في أوروبا عندما أقرت حكوماتها الحجر الصحي لتفهم أهمية التزود بالكتب الذي يماثل التزود بالطعام. مكتبات في أوروبا صارت رفوفها فارغة لأن الجميع أسرع ليأخذ نصيبه من الزاد الفكري والنفسي. فقيمة الكتب لا تكمن في دورها التثقيفي التعليمي فحسب، بل أيضاً الدور المهم للإحاطة النفسية والوقائية وقت الأزمات… فنحن نتحدث هنا عن العلاج بالقراءة (Bibliothérapie). هذه الكتب تزوّد أطفالنا وشبابنا بشحنات إيجابية وترفّه عنهم وتقوّي جهاز المناعة عندهم، وهذا مقوم أساسي لمجابهة الفيروسات.

الأطفال والفتيان يهتمون بالقراءة متى توافرت الكتب الجيدة بجميع أنواعها، الورقية والإلكترونية والجيدة أيضاً شكلاً ومضموناً. وأقصد محتوى وشكلاً يحترمان عقل الأطفال واليافعين، ويتماشى مع لغة العصر ويكون جذاباً. الجميل أن في عالمنا العربي هناك تحسن كبير في المنتوج الموجه للطفولة المبكرة والمتوسطة، لكن تبقى كتب اليافعين محدودة ولا تفي بالغرض. مع أننا نسجل غياب الكتاب في فضاء البيت حولنا، بما يشجع الطفل على الإقبال عليه، والأسرة مطالبة بالوعي بقيمة الكتاب فكيف ننتظر من أبنائنا أن يكونوا قرّاء ونحن تقضي معظم وقتنا بين التلفزيون ومنصات شبكات التواصل الاجتماعي؟ البالغون مطالبون بالقراءة لتحميس الأطفال عليها ويكونون قدوة لهم”.

وعن قدرة القراءة على منافسة شغف الأطفال والفتيان بوسائل التسلية الحديثة وخصوصاً الإلكترونية، تقول: “الأمر ليس عملية منافسة. وسائل التسلية الحديثة وبخاصة منها الإلكترونية يمكن أن تكون مجالاً لتقريب الكتاب من الطفل وتحبيبه فيه، وإني أراها فرصة وليست مشكلة.

واليوم من المهم أن نراجع علاقتنا النمطية بالكتاب التي اختزلها البعض في الكتاب الورقي، ونسعى إلى استغلال الوسائل المبتكرة المعتمدة على التقنيات الحديثة لتكون مصدراً لقراءات الطفل وثراء معلوماته، وتكون منسجمة مع طفل القرن الحادي والعشرين شكلاً ومضموناً. المهم حسن التوظيف وحضور الأسرة الفعال والقيام بدورها في التوعية والمتابعة. ودور الإعلام مهم أيضاً في تخصيص برامج ومسابقات للقراءة وأنشطة للمسرح والرسم، وتنظيم حلقات افتراضية لنقاش رواية ما أو إصدار جديد.

جرأة ورقابة

من الملاحظ أن الكثير مما يُكتب للأطفال والفتيان في العالم العربي لا يواكب ثورات العصر ثقافياً واجتماعياً وسلوكياً وحياتياً، على عكس ما يكتب في الغرب من أدب للأطفال والفتيان، فهوهناك منفتح ومتطور ومتحرر من كل العقد والتقاليد. ومعروف أن المحافظة والتقليد والرقابة المتشددة تنعكس سلباً على إقبال الأطفال والفتيان على القراءة. عن هذه القضية الإشكالية تقول المزغني: “نعم هناك خوف من الكاتب والرسام والناشر والموزع في تعاملهم مع بعض الأفكار والإصدارات… القول إن هذا سيقصي الكتاب أو يساعد في عدم انتشاره. والزعم أن تناول مثل هذا الموضوع أمر سيحكم على الكتاب بمحدودية التوزيع، هذا إضافة إلى خوف الناشر من أن الكتاب الذي فيه أفكار جريئة قد لا يحقق الانتشار المرجو فيفرض الرقابة. وباعتباري كاتبة عشت هذا في أكثر من مناسبة، وكنت أفكر أحياناً في الرقابة الذاتية التي أفرضها على نفسي قبل أن يفرضها عليّ الناشر والموزع، لاحظت بصفتي قارئة مثلاً، حذراً في التعامل مع بعض المواضيع والكلمات والشخصيات التي يمكن أن تستهوي ذائقة هذه الفئة من القراء أو تلك، وازداد يقيناً من خلال مشاركاتي في لجان تحكيم بعض المسابقات، حيث يقترح بعضهم استبعاد بعض القصص لأن محتواها على حد قولهم “جريء” أو لا يتماشى مع عاداتنا وتقاليدنا. وأحياناً يكون في ذلك مبالغة ومغالاة، فنخسر من الجهتين: نخسر إنتاجاً كان من الممكن أن يكون أداة لتقريب الكتاب من الطفل وترغيبه في القراءة ونفتح المجال للطفل بأن يبحث عما يستهويه في وسائط أخرى بعيدة من إشرافنا ومرافقتنا. وعلى سبيل المثال: الكتب الموجّهة إلى اليافعين العرب نادرة، وهذه الفئة تفتقر إلى وجود كتب عربية تستهويها وتستجيب لذائقتها وتصافح عقولها وتتماشى مع متطلباها في العصر الحالي، وباستثناء بعض المحاولات هنا وهناك تبقى الإصدارات محتشمة. ونحن نعلم ميل اليافعين إلى قصص الخيال والخيال العلمي والأساطير والمغامرات وقصص العلاقات الإنسانية. ومع ذلك تجد الكاتب متخوّفاً من ردود الفعل السلبيّة من الأولياء بالخصوص. لهذا لا يكون الكاتب تلقائياً في إبداعه ويحسب للتقاليد والتابوهات الاجتماعية والعائلية ألف حساب. هذه الاستنتاجات هي حصيلة تجربتي ككاتبة للأطفال ومترجمة لكتبهم وقارئة وباحثة في أدب الطفل واليافعين ومدربة كتابة في أدب الطفل واليافعين، وقد صادفتي العديد من الحالات التي نتوقف فيها مع المتدربين ومع القراء حول مواقف يكثر فيها السؤال: هل هذا مقبول؟ هل في هذا ما قد يسبب لنا مشكلات مع القراء؟ ما هو رد فعل بعض المؤسسات المجتمعية؟ ماذا يجب أن نقول؟ كيف نلطّف الموقف؟ ولكن في الغالب نختار الطريق التي توافق اختيارات الكاتب وتعبر عن رؤيته.

www.independentarabia.com