نحو حجج علمية جديدة ومبسطة

682002

يتفق معظم العلماء في بعض القضايا، ولكن فئات كبيرة من المجتمع غير مقتنعة، مما يؤدي إلى ثغرات أو عدم إجماع. لسوء الحظ، تتعلق العديد من الثغرات الأكثر أهمية اليوم بالاستدامة.

على سبيل المثال، هناك إجماع علمي قديم حول واقع تغير المناخ وأسبابه. ومع ذلك، قبل عشر سنوات، كان نصف الأمريكيين فقط يعتقدون أن الأنشطة البشرية هي السبب الرئيسي وراء آفة الاحتباس الحراري (ولا يزال الثلث يشك في الأمر).

وبالمثل، تتفق الغالبية العظمى من العلماء إلى جانب مجموعة من الخبراء على أن الأطعمة المعدلة وراثياً آمنة للأكل، ويمكن أن تلعب دوراً مهماً في المساعدة على إطعام العالم مع الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ولكن في معظم البلدان، يعتقد عدد كبير من المواطنين أن الأطعمة المعدلة وراثياً تضر بالمستهلكين والبيئة.

علاوة على ذلك، يعتقد معظم الخبراء – بما في ذلك لجنة الأمم المتحدة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ – أن الطاقة النووية تلعب دوراً حاسماً في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية. ولكن في العديد من البلدان، ينظر الكثيرون إلى الطاقة النووية باعتبارها خطيرة ومُلوثة.

تُعد هذه الفجوات في التوافق في الآراء مثيرة للقلق ليس فقط لأنها تؤدي إلى إجراءات فردية مكلفة اجتماعياً والتي تعمل على توليد كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ولكن أيضاً لأن الرأي العام يؤثر على السياسة. أغلقت ألمانيا حوالي نصف محطات الطاقة النووية استجابة للضغوط الشعبية عقب حادثة فوكوشيما دايتشي النووية عام 2011 في اليابان. لكن هذا القرار أدى بشكل غير مباشر إلى وفاة الآلاف جراء تلوث الهواء حيث حل إنتاج محطات الطاقة التي تعمل بالفحم محل الناتج النووي المفقود.

ومع ذلك، في معظم الحالات، يُرحب الناس بالإجماع العلمي، حيث يعتقدون أنهم على علم بالأمر: على سبيل المثال، قلة من الناس يختلفون حول حقيقة أن الماء هو H2O أو أن الضوء يتكون من جُسيمات تُسمى الفوتونات.

لفهم سبب وجود فجوات في الإجماع في بعض المجالات، وكيف يمكننا سدها، نحتاج إلى النظر في سيكولوجية التواصل، أو كيف نُقرر ما ينبغي لنا أن نُصدقه وبمن نثق.

عندما نقوم بتقييم رسالة، فإننا نقوم أولاً بمقارنة محتواها برأينا السابق: إذا كان هناك عدم توافق، فإننا نميل إلى رفض الرسالة. في حالة المعلومات العلمية، لا يمكن للناس الاعتماد على تجربتهم الشخصية، لكنهم مازالوا يتمتعون بالحدس.

لسوء الحظ، فإن معظم النظريات العلمية غير بديهية: على سبيل المثال، يُخبرني حدسي أن الشمس تدور حول الأرض المُسطحة. وبالمثل، يجد الكثيرون أنه من غير المعقول بشكل بديهي أن يؤثر البشر الضُعفاء على مناخ الأرض، وأن يكون لهم رد فعل سلبي غريزي على الأطعمة التي تم تعديلها بطرق «غير طبيعية»، وأن يكون لديهم خوف مكتسب من الطاقة النووية، ربما بسبب ارتباطها بالأسلحة النووية.

لذلك، ليس من المستغرب أن يتم توضيح العديد من النتائج العلمية في هذه المجالات للشعب بشكل بطيء – لاسيما إذا استفادت مجموعات المصالح من نتائج مُناهضة للحدس لتشكيل المقاومة المنظمة.

لكن رفض الرسائل التي لا تتناسب مع حدسنا هو مجرد رد فعل أولي، والذي يمكن التغلب عليه في ظل الظروف المناسبة. بداية، يهتم الناس بمجموعة متنوعة من الإشارات في تحديد مدى ثقتهم بمصدر أي رسالة، ومن حسن الحظ أنهم ما زالوا يثقون بالعلماء. ونتيجة لذلك، عندما يتم إبلاغ الناس بوجود إجماع علمي في مجال معين، فإنهم يميلون إلى تعديل آرائهم في اتجاه الإجماع.

ومع ذلك، لماذا لا نقبل ببساطة الإجماع؟ كيف يمكن لأفراد الشعب اعتقاد أنهم على الأرجح أكثر ميلاً إلى الصواب في قضية علمية من آلاف الخبراء الذين قضوا حياتهم في دراستها؟

لسوء الحظ، نميل جميعاً إلى الاعتقاد بأننا نفهم الأمور على نحو أفضل من فهمنا لها. قد يعتقد الكثير من الناس أنهم يعرفون كيف يعمل تدفق المراحيض، ولكن عندما يُطلب منهم شرح الآلية، يُدرك معظمهم أن فهمهم محدود إلى حد ما.

ومع ذلك، حتى لو ادعى قلة منا أننا على علم بكيفية عمل مفاعل نووي، أو كيف يتم إنتاج الأغذية المعدّلة وراثياً، فإننا ما زلنا نميل إلى المبالغة في فهمنا وبالتالي التقليل من شأن الفجوة المعرفية بيننا وبين العلماء. عندما يقوم الناس بدراسة الآليات – مثل كيفية عمل تغير المناخ، وما هي التكنولوجيا المُعدّلة وراثياً – يزداد احترامهم للإجماع العلمي.

لكن أفضل طريقة لتغيير آراء الناس هي من خلال النقاش المُحترم. عندما يتم إخبار معارضي الأغذية المعدلة وراثياً بأن العلماء يعتقدون أن مثل هذا الطعام آمن تماماً للاستهلاك، فمن المحتمل أن يشككوا في مصداقية هذه المعلومات، على سبيل المثال عن طريق التساؤل حول عدد الدراسات التي أجريت حول هذا الموضوع، أو ما إذا كان العلماء المعنيون لديهم تضارب في المصالح. طالما لم يتم الإجابة على هذه الأسئلة، فإن منتقدي الأطعمة المعدلة وراثياً لن يميلوا إلى تغيير رأيهم بشكل كبير.

خلال مهرجان العلوم في فرنسا عام 2018، حاول الباحثان ساشا ألتاي وكاميل لخليفي نقل الإجماع العلمي حول الأغذية المعدلة وراثياً إلى مجموعات صغيرة. في المناقشات التي استمرت لما يزيد عن نصف ساعة، تناول المُشاركون العديد من الحجج المضادة، وخلقوا تحولات كبيرة في الرأي، مع تحول متوسط رؤية المشاركين للأغذية المعدلة وراثياً من المُعارضة إلى الدعم المؤقت.

لا يحظى الإجماع العلمي الذي تم تشكيله حديثاً بقبول تلقائي وفوري بين أفراد المجتمع. هذا لا يعني أن الشعب عنيد بشكل ميئوس منه، بل هو بحاجة إلى أسباب وجيهة لتغيير رأيه. على العلماء والمعلمين والشخصيات العامة الأخرى نقل الإجماع، وشرح الآليات الأساسية المعنية، والتحدث بصبر ومعرفة مع الناس ومعالجة ما تبقى من مخاوفهم. لا يمكننا أن نأمل في التغلب على ثغرات الإجماع إذا تخلينا عن الخطاب المنطقي.

جريدة البيان