ميسون صقر : زايد للكتاب حلم جميع المثقفين – حوار مدحت صفوت

ميسون صقر

بمجرد الإعلان عن فوز الأديبة والتشكيلية الإماراتية ميسون صقر، بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن كتابها «مقهى ريش.. عين على مصر»، انطلقت التهاني من العالم العربي، خاصة الكتاب والمثقفين المصريين، حالة يمكن أن تدل على مدى المحبة المتبادلة بين المصريين وابنة الشارقة. وحين تواصلت معها لتهنئتها أولاً، بدا صوتها مثل طفلة تجاوزت مرحلة تعليمية بتفوق، فرحة صادقة ليس بالجائزة فحسب، إنما بمحبة الناس التي غمرتها، اتصالات ورسائل، حتى شعرتُ بأن صوتها قد أجهد، وبكرم معتاد واصلت ميسون الحوار والتفاعل لأكثر من ساعة ونصف الساعة، وتحدثت عن قضايا عدة تتعلق بالكتابة والهوية والحداثة

كيف استقبلتِ فوزك بالجائزة ؟

بالطبع جائزة كبيرة تحمل اسم شخصية عربية أصيلة، وهو المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لقد عمل القائمون على الجائزة في أبوظبي دائماً على تطويرها وتحييدها حتى باتت حلماً لجميع المثقفين، لأنهم يدركون قيمة الاسم الذي تحمله، فأصبح من يفوز بها يشار له بالبنان، ولا نجد رفضاً له، أو اختلافا حوله، على العكس، ثمة توافق على من يحصل على الجائزة، والتي لم تتحيز للإمارات أو الخليج، والدليل أنني أول كاتبة إماراتية أفوز بها بعد دورات عديدة.

لمن تهدين الجائزة؟

أهديها لتاريخنا الأدبي والفني، ولكلّ كتاب الإمارات، وكل أصدقائي الذين كانوا ظهيري وأهلي وعائلتي، في مصر، أو الإمارات، أو العالم العربي، ولولا وجودي بينهم لكنت ضيعت الطريق. وأهديه في النهاية للإمارات الوطن الفخر، والشارقة الذاكرة الأولى، وإلى حبيبتي مصر أم الدنيا.

*نذهب إلى كتاباتك، يمثل المكان المشبع بالذكريات عنصراً مركزياً فيها، ونلاحظ ذلك في «في فمي لؤلؤة» و«مقهى ريش»، أشعر هنا بأن الشاعرة كأنها تخشى على ذاكرتها من المحو، أليس كذلك؟

لا ينفصل الإنسان عما عاشه وأين عاشه، فالكتابة بنت المكان وحاضرة فيه، خاصة الكتابة السردية أو السيرية، عندك مثلاً تبحث الرواية في الحدث والزمن، وهما شقي الرّحى، هكذا تبدأ الكتابة، وأضيفُ إليهما «الحنين والشغف»، حنين جارف للإمارات، وتطلع لما يجري في القاهرة.

استقرار

وكيف كان المكان في «مقهى ريش»؟

إن المكان عند المصريين مستقر وثابت وفكرة متغلغلة، بسبب نهر النيل، ليس في السكن والإقامة فقط، إنما حتى مقابر المصريين مستقرة، تجدها «بيوتاً» وتحوي ركناً لاستقبال الزائرين. على النقيض عند الصيادين مثلًا، فدائماً ثمة ترحال وانتقال، ما يكسب الكتابة عن القاهرة مكانة خاصة للمكان، فبمجرد أن أكتب عن القاهرة، يحضر التاريخ.

وهل هذا يفسر سر القلق الدائم لدى ميسون على الذاكرة؟

أعيش هذا القلق دائماً، وأعرف أن المكان والذاكرة يتغيران مع الزمن، ومن ثمّ ألجأ إلى الأدب، سواء في الشعر أو الرواية أو الكتابة السيرية، غرضي الرئيسي تثبيت الذاكرة، قبل محوها، كي نترك سجلًا للتاريخ، أشبه بما تركه المصريون القدماء من رسومات لتخبرنا بتاريخهم، ومن ثم نعمل على تكوين الوعي القائم على الشغف والاكتشاف.

في «في فمي لؤلؤة» كان البحر كريماً باللؤلؤ.. فكيف كانت القاهرة في رحلة الكتاب المستمرة لعشر سنوات؟

كريمة جداً، فتحت لي أبوابها بشكل محب، وتجمعني بها علاقة حب، الذي يؤكد ذلك، أنني لم أخرج من القاهرة إلا نادراً، أذهب إلى الإسكندرية سريعاً، ولم أبِت فيها سوى مرة واحدة، ولم أتجه إلى أغلب المناطق إلا ضيفة سريعة، لا أغادر القاهرة بعدما فتحت لي بابها بمودة واحتفاء.

طبقات متعددة

في كتابك عن القاهرة تاريخ معقد من التداخل الثقافي، فكيف بدت بهذه البساطة؟

القاهرة ليست طبقة واحدة، إنما طبقات عدة، تدخل من بوابة التاريخ لتجد طبقات، ولا تستطيع أن تلمّ بها طوال حياتك، وتحتاج أعماراً لتجد لها مدخلًا، كمن يقف تحت المطر فيسقط عليه منهمراً، «ما تبقاش عارف تلم الموضوع»، ومن هنا دخلت إلى تاريخ القاهرة بخجل، بعد أن وجدت بعض الوثائق في مقهى ريش، كنت أود تصنيفها وميكنتها، وحصلت عليها للأرشفة كعمل محب لصاحب المقهى، ولم أكن أرتب للكتابة، لاكتشف كنزاً، مقهى صغير يحوي جزءاً من تاريخ مصر. وقتها أقف صغيرة، من أين لي بكل هذا الزخم، الأمر يشبه وقوفك أمام الهرم، كم هو ضئيل من يعيش التجربة.

مثّل مقهى ريش نقطة انطلاق للدخول إلى عوالم التاريخ العمراني والسسيوثقافي للقاهرة الخديوية، أحد جوانب مشروع «مصر قطعة من أوروبا».. ألا يمكن أن نعتبر الكتابة عن هذه الزاوية نوستالجيا لمشروع «مجهض»؟

لم يكن في بالي مشروع قطعة من أوروبا، على العكس لا أوافق على الفكرة، وأنطلق من فكرة النهضة والاستقلال من النهوض بالفرد العربي، والخروج من عباءة الاستعمار، والاهتمام ببناء الإنسان، ووجود المصري ككيان إنساني.

وانصب اهتمامي على تحديث المعمار والبنيان ليس كهدف مستقل، إنما لتأثيره في الإنسان والحضور المصري، وحين اخترت مقهى ريش كنت أحاول تصوير الحقيقي والأصيل، ولم أختر مقهى «جروبي»، لخلو الأخير من العنصر المحلي المصري، وربما كنت أحاول تأطير طبقة انتلجنسيا مصرية مقابل الطبقة غير المصرية، وكأني أنتصر لهذه النزعة التمصيرية، وأعتبرها المسكوت عنه في الكتاب.

جمعتِ في كتابك بين التاريخ المدعوم بالوثائق والروايات الشفاهية.. مع اهتمام واضح بالتفاصيل والتاريخ المنسي.. والروايات المهمشة.. إلى أيّ مدى كان وثوقك في الروايات التاريخية المدونة والشفاهية؟

لم أكن معنية بالرواية الشفهية بداية، كنت أقلّب في أكثر من رواية، خاصة وأنني أتناول جزءاً من التاريخ قريب ومعروف وليس بعيداً، فالروايات متعددة ومتوفرة وليست نادرة، وهي ما تدعم أي باحث في مجال التاريخ الثقافي، فكنت أضع الرواية الشفهية بين قوسين، خاصة وأنها «محكية».

انفصال

«مقهى ريش» ليس مجرد كتابة عادية، إنما لوحات فنية وشعرية تقدم صورة القاهرة «متعددة الهويات».. فكيف يمكن أن نعيد إلينا هذه القاهرة التي تبدو في عيون الكثيرين مفقودة؟

أتصور أن مفهوم الحداثة يتضمن شراسة ما، ويحمل جانبين، أحدهما سيئ والآخر إيجابي، أهمّ ما نخسره في الحداثة هو الانفصال عن أرواحنا السابقة، ومن ثمّ نحاول بالكتابة أن نحافظ على الذاكرة، لأن مرورنا بالتجربة حتمي، شئنا أم أبينا، والعالم سيتغير، ومهمتي أن أسجل الروح في لحظتها، وعلينا أن نحافظ على ذواتنا، وأن نعرف أن لدينا «جوهرة»، وتاريخاً منسياً، وتفاصيل لا تقدر بثمن.

لغة شعرية

لا يخلو عمل كتابي لميسون من اللغة الشعرية.. حضرت في «في فمي لؤلؤة»، وبدت شبحية في «مقهى ريش»، تقول عن تلك اللغة:

طبعاً في البداية أنا شاعرة، فكل ما أحاول أن أكتب أي مادة أخرى، حتى لو أرسم لوحة، تحل فكرة الشعرية، لكن مع الكتابة السيرية كنت محتارة بين «اللغة الناشفة» فخشيت على أن أسقط في التأريخ، وبين اللغة الشعرية التي قد تسقط العمل في الرومانسية، فكان الحل في لغة وسطى، كما وصفتها أنت ب«الشبحية»، كل كتاب بلغته، كي نصل للقارئ العادي، وتُسرّب رسائلك من دون أن تكون مباشرة.

ميسون صقر : زايد للكتاب حلم جميع المثقفين – حوار مدحت صفوت

جريدة الخليج

اصداراتنا ، العويس الثقافية