إيزابيل أبو الهول.. رحلة ثقافية اغتنت وأثمرت في ربوع دبي

لم يخفت وهج شغف إيزابيل أبو الهول بمجتمع دبي والإمارات، منذ حطت رحالها في فريج المرر قبل ما يتعدى الـ 56 عاماً، تحديداً في العام 1968، فذيّاك الأريج الطافح بخلاصات المحبة والانفتاح، العابق في حناياه، لا ينفك يشدها إليه ويُمتن عرى ارتباطها الوثيق، المرتوي، كما توصف، «من معين روح خيرة راسخة في أعماقه، يُضفّرها جمال أخلاق أهليه ورحابتهم ورفعة قيمهم وألفتهم».

ليس بمقدورنا أن نشيح الأنظار أو نتوقف عن إصاخة الأسماع بكل جوارحنا، ونحن في حضرة خيوط سرد مؤسِسة مهرجان طيران الإمارات للآداب، المؤتلق بملامح دبي، وهي تحدثنا عن حكايتها في عوالم حاضرة فريدة: «حال قدومي ههنا واستقراري بين أهل المكان، قبل ما يزيد على النصف قرن، لامست وخبرت جوهر مجتمع فياض بفِطَر الخير والتعايش والبساطة والتسامح والرأفة، ينهل من عيون الأصالة بينما يستعد لتعمير أولى لبنات التطوير والإنماء، إذ تكشفت لي عن كثب حقيقة كون أبناء دبي ودولة الإمارات عامة يتنفسون وهم في جوار بحرهم البهي، أهوية التناغم والتقارب الحضاري، فهم تربوا على النهج وعاشوه قدراً ومصيراً، منذ قرون وعصور خلت، كما وضحت لي سرائرهم وفعالهم الوضاءة الرفيعة، منذ وصلت دبي، حيث تبينت كرمهم ودماثتهم واحتفاءهم بالضيف وتعاطيهم معه بأريحية من غير قيود أو حواجز».

ربابنة انفتاح

بالطبع، ليس ذاك الخلق إلا ثمرة جذور مكينة عميقة تذكيها مروحة سجايا وعوامل، عهدتها وعرفت تفاصيلها إيزابيل، عبر معايشات وقراءات وأبحاث، طوال تلكم السنين: «إنهم ربابنة البحر العريقون، ومستضيفو شتى ألوان الثقافات والبضائع والنتاجات الحضارية على شطآنهم وفي واحاتهم ومدنهم، منذ قديم الأزمان، وإذا عدنا إلى صفحات وسجلات التاريخ، سنعلم كيف أنهم أتقنوا، مبكراً، فنون التعامل الإنساني والتعاطي مع الآخر بحنكة وإيجابية.

فاتجروا مع الأقوام باقتدار.. وكانوا، ولا يزالون فاعلين في تمتين عرى تواصل أشطر المعمورة، بينما يعيشون في دولة تعد بجغرافيتها، بوابة ومعبر أهم بضائع وموارد وسلع عالمنا، وهي في طريقها، بالاتجاهين، بين جنوبه وشماله.

ولا يفوتني في الخصوص التنويه بحكمة قادة دبي والإمارات، وإخلاص وحرص أبناء المجتمع، فتلكما كانتا، وتبقيان، رافعتين أساسيتين في مسارات تمكين حال الانفتاح الحضاري وتعضيد مسارات ودروب خريطة التطور والتميز في عصرنا الحالي».

ذكريات ولوحات

تستذكر الكاتبة البريطانية، والتي قدمت ههنا فتاة في مقتبل العمر، تحوز دبلوم إدارة الأعمال من كلية كامبريدج للفنون والتكنولوجيا (جامعة أنجليا روسكين حالياً، وهي جزء من «كامبريدج»)، باقات مشاهد فاتنة لا تغيب عن مخيلتها، صادفتها في أشهرها وسنواتها الاستهلالية بدبي: «أشعَرَني الإماراتيون، فور حللت بينهم، بالألفة والأريحية.

لا أنسى هيئات ومعالم وجوه النسوة عند كل بيت ومنعطف في تلك الأيام، خلال مشاويري في الحي (فريج المرر) وهنّ يخاطبنني ببشاشة، مؤهِلات مُسهلات، ثم يلححن بدعوتي لزيارتهن في بيوتهن.. ويردفنَ: (تبغين ماي..تبغين قهوة..تبغين تمر.. تفضلي.. هاكِ». وتحضُرني في الصدد جلسات جميلة في ضيافة البدويات في الصحراء، في خيامهن، حيث كنّ يكرمنني على خير وجه، بينما يشرق محيا كل منهن بالبسم والود. وكذا تبدى لي بجلاء، منذ تلك الأوقات، مدى كون المرأة الإماراتية قوية متمكنة، واثقة من نفسها ويعتمد عليها.

هكذا شاهدتها وعرفتها عن قرب قبل سنوات من بدء مشوار النهضة والتحديث، إذ أكملت المشوار بجدارة وتوجته بمنجزات نوعية مشهودة حالياً.

ولطالما كانت تلفتني جداً، في تلك الأيام، مشاهد وأحوال النساء وهنّ يتولين، بكفاءة، مسؤوليات الأسرة وتربية الأبناء ورعاية شؤون البيت، كاملة، أثناء غياب أزواجهن في رحلات الغوص التي تدوم أشهراً عديدة.

حال وقرار

طاب لإيزابيل العيش في أرجاء الفريج وجوار البحر في رحاب دبي.. فراحت تنغمس في دقائق اليوميات وأطوار الحياة الموشاة بحكايات أخاذة أدهشتها ونثرت السرور في دواخلها، فغدت معها، تعشق تعلم، بل إجادة، فنون طهي الأكلات الشعبية، وكذا تستلذها وتفضلها (خاصة مجبوس الدجاج.. والكثير من الأكلات الأخرى). كما تكيفت مع العادات والتقاليد المجتمعية بتفاصيلها.

إلا أن شيئاً وحيداً كان ينغص تلك الهناءة والسكينة، آنذاك، وهو ندرة الكتب والمكتبات وغياب أي حراك معرفي وثقافي (وكان هذا، حينذاك، أمراً طبيعياً في المنطقة، ومنها دبي والإمارات، إذ كانت قد شرعت تحضر لمشروعات البناء والتطوير)، ولكن ذاك الواقع جعلها توطد العزم، في قرارة نفسها، على الإسهام مستقبلاً، في التحول نحو حال ثقافية وفكرية وعلمية أفضل، يستحقها أبناء هذا المجتمع، من خلال خطط عمل فكرت بها وانتوتها:

«دفعتني حال ندرة الكتب والمكتبات، آنذاك ( كانت توجد مكتبة واحدة في منطقة الراس، تابعة لبلدية دبي)، إلى إعادة قراءة كتبي التي كنت قد جلبتها معي من إنجلترا، مرات متكررة. ولكني، أيضاً، شرعتُ أفكر في مشروع تنويري تثقيفي أرد عبره الجميل إلى هذا المجتمع الجميل الغني بقيمه.

وبالفعل كان العام 1975 يحمل محطة الانطلاقة الفعلية في مبادراتي المعتزمة بالشأن، إذ أسستُ وزوجي «مدرسة الاتحاد الخاصة» في منطقة الحمرية، حيث منحنا المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، باني نهضة دبي، قطعة الأرض والأموال لهذا الغرض، وكان له، رحمة الله عليه، الفضل الكبير في دعمنا لتحقيق هدفنا في الصدد. كما استقدمنا كادر معلمين، عرباً وإنجليزيين، على مستوى عالٍ من التأهيل».

وتواصل : « لاحقاً، طفق مشروعي الفكري الثقافي الأبرز يختمر ويقارب التحقق والتأثير كاملاً، عقب أن افتتحت مكتبة المجرودي، الحلم الذي راودني سنوات طويلة، فباشرتُ معها مساعيَّ المنصبة على إثراء الثقافة المجتمعية وتعزيز مبادرات الارتقاء بالتعليم.

ورحتُ أنمّي أعمالي وعلاقاتي في المجال، فتمكنت من بناء شبكة علاقات واسعة مع الكتّاب والناشرين في أرجاء العالم جميعاً، بموازاة استقدام جديد الكتب وأهمها، من بريطانيا ومختلف الدول. والأمر نفسه انسحب على الوسائل التعليمية الحديثة، والألعاب التربوية التثقيفية والتأهيلية».

ملمح جديد

تميزت المراحل التالية في مسار عطاء وعمل إيزابيل أبو الهول بملامح ارتقاء فارقة، في ميادين الثقافة والفكر، إذ باشرت تُعمِر، خطوة تلو الأخرى، أساسات مشروع أدبي ثقافي فريد متألق عالمياً تشع أضياؤه، حالياً، من دانة الدنيا على أركان المسكونة قاطبة: (مهرجان طيران الإمارات للآداب)، فما قصة تأسيسه يا تُرى..وكيف كانت محطاتها ؟: «وفّرت لي شبكة علاقاتي الوسيعة مع الكتّاب والناشرين في أنحاء المعمورة، بفضل تطور مكتبة المجرودي ونجاحاتها المترادفة، قدرة البقاء على اتصال دائم مع سيرورة الحراك الثقافي الدولي ومناخاته.

وكانت هذه الحال على موعد مع التكلل والاغتناء النوعيين في العام 2007، إذ زارني في المكتبة، أحد باعة الكتب البارزين في المملكة المتحدة، صحبة رفيق سفر له، بعد أن سأل عن مالكة ومديرة «المجرودي».

وفي أثناء جلستنا سأل رفيقه إذا كان هناك مهرجان أدبي في دبي، وكن هذا السؤال بوابة لنقاشات موسعة، آنئذ، تطرقت إلى محاور وماهيات فكرة المهرجان وجوانبه وكيفيات تنفيذه. وفي ختام جلستنا، ودعتُ زائريّ متمنية لهما رحلة سعيدة إلى وجهتهما. ثم عدتُ إلى منزلي في جميرا، حيث كنت أستضيف يومها، مجموعة سيدات، بينهن كاتبات وفنانين، في مأدبة غداء خاصة.

وخلال تبادلنا الأحاديث أعربت إحدى المدعوات، ألا وهي الراحلة أودري فلاناغان، زوجة موريس فلاناغان، الذي كان حينذاك نائب رئيس مجلس إدارة «طيران الإمارات»، عن إعجابها بأجواء الجلسة، موضحة أنها بادرة متميزة تُذكرها بدعوة غداء وجلسة اجتماعية أدبية متميزة، مشابهة، حضرتها سابقاً، كانت قد استضافتها ونظمتها كريستينا فويل، صاحبة المكتبة اللندنية الشهيرة «فويلز».

ولحظتذاك، شعرتُ بالدهشة الكبيرة والمفاجأة، إذ كان بائع الكتب الذي زارني صباحاً، ابن شقيق كريستينا فويل نفسها، فأخبرت أودري فلاناغان بهذا وأطلعتها على ما جرى بيننا من نقاشات تخص فكرة إطلاق مهرجان أدبي في دبي. وبعد انقضاء يومين على جلستنا تلقيت رسالة منها تشكرني فيها على الدعوة، وتقترح أن أطرح فكرة إقامة المهرجان على «طيران الإمارات».

وبالفعل سارعتُ إلى تقديم مقترحي، فلقي الترحاب والدعم الكبيرين من هذه الشركة الوطنية الرائدة، صاحبة الدور الحضاري المتميز».

وتضيف إيزابيل : « وهكذا أصبحت «طيران الإمارات» الراعي الرئيسي للمهرجان: «طيران الإمارات للآداب»، الذي غدا منارة فكرية وثقافية عالمية، بفضل دعم وتوجيه وتحفيز صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وسمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس هيئة دبي للطيران المدني، رئيس مؤسسة مطارات دبي، الرئيس الأعلى الرئيس التنفيذي لطيران الإمارات والمجموعة، وسمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، عضو مجلس دبي.

إنني ومعي فريق المهرجان ومؤسسة الإمارات للآداب لفخورون بمكانته العالمية، حيث بات جسر لقاء الشرق والغرب، وكوكب الإبداع المؤثر المنتصر للسلام والمحبة، والمحفز على عشق القراءة والانفتاح».

 

إيزابيل أبو الهول.. رحلة ثقافية اغتنت وأثمرت في ربوع دبي

جريدة البيان