رواية «بندر شاه»، الصادرة حديثاً هذا العام عن (روايات) التابعة لمجموعة «كلمات» في الشارقة، هي من الأيقونات السردية المجهولة للطيب صالح، التي تكاد تتفوق في جودتها وأسلوبيتها وحكايتها على «موسم الهجرة للشمال»، إن لم تكن قد فعلت حقاً.
في هذا العمل يتجلّى الألق الأسلوبي والسردي للكاتب الذي يخلق عوالم روحية تحلّق في سحب حالمة، حيث يشعر القارئ وكأنه داخل حلم لا يريد الاستيقاظ منه في فضاءات مترعة بالجمال والأجواء الروحية الصوفية.
نقول ذلك لأن «موسم الهجرة للشمال»، للطيب صالح، ما زالت تنتصب مثل شجرة ضخمة تخفي وراءها غابة من السرد الأصيل، فقد وجدت شهرة طاغية، بحيث غطت على ما سواها، فعاشت تلك الأعمال الروائية البديعة مثل «بندر شاه» في الظلال بعيداً عن الشهرة، ربما لأن النقاد العرب تناولوا بكثرة «موسم الهجرة للشمال»، ووضعوها في خانة الأدب الذي يتحدث عن الصراع بين الشرق والغرب، فكان أن أهملوا درراً وأيقونات من الروايات البديعة.
حرصت «روايات» أن تجمع بين الجزء الأول «بندر شاه – ضو البيت»، والثاني الذي كان بعنوان «مريود»، والواقع أن الحكاية واحدة تمتد بين الماضي والحاضر وتدخل في تفاصيل من الواقع الحقيقي والواقعية السحرية، حيث يظل القارئ يتقلب في تلك العوالم الحقيقية والخيالية مستمتعاً بالصور والمشهديات والتفاصيل غير المقطوعة ولا الممنوعة.
سيرة
العمل السردي في «بندر شاه» يروي سيرة عائلة في قرية سودانية تدعى «ود حامد»، في الشمال السوداني، حيث منحنى النيل، فتلك القرية الوادعة هي مركز القصة وفضاؤها الممتد بين أزمنة متعددة، يتناول الجزء الأول من الرواية حكاية الجد بندر شاه ضو البيت، بينما الجزء الثاني منفرداً يقص سيرة الحفيد مريود وحضوره المدهش في القرية، تماماً كما كانت حياة ضو البيت، لكن الحكاية مجتمعة لا ترتهن لذلك التقسيم بل تتداخل القصص وتتشابك، وكما جاء في مقدمة دار «روايات»: «تمتزج الذاكرة الفردية بالجماعية، ويتشكل مصير عائلة يحمل اسمها إرثاً غامضاً يلقي بظلاله على الأجيال.. بندر شاه عمل سردي بالغ العمق، يستكشف معنى الإرث والهوية، وكيف يستمر الماضي في تشكيل الحاضر دون أن يفلت من قبضته».
هذه الرواية لها حضورها الخاص وألقها العجيب، حيث إن كاتبها الطيب صالح، يعتبرها من أفضل أعماله، إذ صرّح من قبل بأنها «كتبت بتقنية الواقعية السحرية»، وذلك الأمر يبدو جلياً وواضحاً في تلك التفاصيل المدهشة للقرية ولسيرة الجد والابن والحفيد، فهذه العائلة مختلفة في كل شيء لها حضور طاغٍ، وينبعث من أفرادها نور غامض يصنع لهم حالة من البهاء، وما بين الاختفاء الغامض لأفراد تلك العائلة وظهورهم المفاجئ في مشهد القرية تتعمّق حالة الغموض، وتتعزز ثيمة الغريب الذي يختلف الناس حوله بعد ظهوره، وتصبح سيرته هي الشغل الشاغل لأفراد المجتمع، حيث يعمّق الكاتب من تلك الثيمة في الجزء الثاني من الرواية مع حضور مريود من الغياب.
والواقع أن أفراد العائلة كلها، هم في الأصل غرباء على مجتمع القرية، لكون بندر شاه هو في الأساس رجلاً من أصول تركية جاء به النيل على ضفافه بالقرب من أهل القرية مرهقاً، فاحتضنه أهل القرية وأكرموه، إذ كان حضوره من قلب النيل نفسه حدثاً غريباً في مجتمع صوفي تربى على الكرامات وإمكانية حدوث المعجزات، وكان لهذه الشخصية «بندر شاه» وقعها الخاص جداً، فكان أن أصبح في وقت يسير جزءاً من نسيج القرية وأهلها الذين أطلقوا عليه اسم «ضو البيت»، للتخلص من ذلك الاسم الذي لا يألفونه، وكذلك استبشاراً بمقدم الرجل الجميل، وبالفعل اتسم ضو البيت بروح جميلة، حيث تدين بدين الإسلام وانخرط في حياة أهل القرية يعمل في مهنة الزراعة، وكان محباً لعمله، وكذلك مارس التجارة فاشتهر بالأمانة، ونسبة لتلك الصفات تزوج ضو البيت من واحدة من نساء أهل القرية.
غرائبيات
ويعمّق الكاتب تلك الأجواء الغرائبية في الرواية في جزئها الأول في لحظة الاختفاء العجيب لبطل الحكاية «ضو البيت»، فهو اختفى فجأة في الظلام، وأخذت القرية تبحث عنه برجالها ونسائها في مشهد أقرب لعوالم ماركيز، خاصة في رائعته «أجمل غريق في العالم»، أو أجواء «مئة عام من العزلة»، حيث قرية «ماكوندو»، التي عاشت فيها عائلة «بوينديا»، صاحبة التاريخ المفعم بالرؤى والخوارق، حيث تضعنا تلك اللحظة من رواية «بندر شاه»، أمام مشهد مهيب وأهل القرية جميعهم يصيحون بلسان وصوت واحد: ضو البيت، ضو البيت، دون رد، انتظروا يوماً كاملاً بين اليأس والرجاء يتقلبون ما بين عسى ولعل، غير أن الحقيقة التي يخشونها أن ضو البيت قد اختفى تماماً، لا خبر ولا أثر، ذهب من حيث أتى من الماء إلى الماء، ومن الظلام إلى الظلام، فلم يشبه مشهد اختفائه الغريب، إلا خبر ظهوره العجيب.
وكما كانت حياة «ضو البيت» غامضة، كذلك كانت سيرة مريود في الجزء الثاني من الرواية أعجوبة من أعاجيب الزمان، منذ اختفائه الغامض وحتى ساعة عودته إلى القرية، فهذا الجزء من العمل السردي أشبه بقطعة شعرية موسيقية صوفية تحلّق في عوالم من المقامات النورانية والإشراقات والفيوضات الروحانية، وذلك ما يحمله حديث الراوي «محيميد»، الذي يقول في هذا المقتطف الصوفي: «كان المكان صامتاً، لا كما تنعدم الضجة، ولكن كأن النطق لم يخلق بعد، تبعت الصوت حتى وجدت نفسي مائلاً أمام الجالس على العرش، وجه ناعم السواد مثل المخمل، وعينان زرقاوان تلمعان بمكر كوني، خيل إليّ أنني رأيت ذلك الوجه من قبل، في عصر من العصور، وقال الصوت: (أهلاً وسهلاً بابننا محيميد)».
أساليب
إن الحياة الصوفية والروحانية، هي المعين الذي نهل منه الطيب صالح في صياغة عوالم رواية «بندر شاه»، حيث استطاع الكاتب أن يوظّف معتقدات أهل القرية في صناعة أحداث سحرية، وكانت المهارة الأكبر في صناعة الشخوص الذين لا يفارقون الذاكرة، ولعل من عبقريات الطيب صالح أن ذات الشخصيات في هذا العمل، هي التي تتحرك في فضاءات الروايات الأخرى من أمثال: ود الريس، ومحجوب، وود الرواسي، وسيف الدين المؤذن، وسعيد البوم الذي تحول إلى سعيد «عشا البايتات القوى»، إضافة إلى ود حسب الرسول، والراوي محيميد والطاهر والزين بطل رواية «عرس الزين»، حيث إن هناك خيطاً قوياً يربط بين أعمال الطيب صالح، فالأحداث تجري في ذات الفضاء المتمثل في قرية «ود حامد».
أفكار
ونلمح كذلك في الرواية حشداً من الأفكار المعقدة التي تدور حول الحياة والوجود، والتي ينطق بها أناس بسطاء من أهل القرية، وذلك هو سر عبقرية الطيب صالح في هذا العمل الأيقوني الفريد، فالحكمة والفلسفة تخرج من أفواه العامة في مخاطباتهم اليومية وأحوالهم المختلفة ما بين السرور والأوجاع، فقد غاص الكاتب عميقاً في تكوين وتركيبة تلك البقعة من الأرض ليعكس تفاصيل يومياتهم وطريقة عيشهم، ليس بطريقة تقريرية فجة، بل بتوظيف السرد الواقعي السحري واستخدام الرموز والإشارات، ولا تخلو الرواية من الظلال السياسية التي يمررها السرد بطريقة لطيفة، حيث يستكشف العمل علاقة الناس بالسلطة التي يرمز لها شيخ البلد «محجوب».
اقتباسات
«يا بلال انت عبد الله كما أنا عبد الله».
«عصارة الحياة كلها في ود حامد».
«ما رأيت حبا مثل حب تلك الأم».
«أنا وانت مثل ذرات الغبار في ملكوت الله عز وجل».
«حياتنا طريقها مرسوم ومعلوم من المهد إلى اللحد».
«نعيش تحت ستر المهيمن الديان».
«حياتنا كد وشظف لكن قلوبنا عامرة بالرضى».
«كنت كشخص في قبضة كابوس مليء بالصراخ».
«كنا مثل سرب عظيم من طيور مذعورة».
«تفترق وتلتقي تعلو وتهبط».
الناشر: دار كلمات