لعل أروع ما يبهج البصيرة قبل البصر، حين تطأ قدماك مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، تلك اللوحات البديعة التي تُزيّن جدرانها، لوحات “البورتريه” التي خُلِّدت فيها وجوه الأدباء والمفكرين الذين نالوا شرف جائزة العويس. تمتدّ الصالة كأنها معرض لذاكرة الأمة، وعلى جنباتها تتوزع الصور مثل مراسي مضيئة ترسو عندها القلوب قبل العيون، وكأنك تطوف حول أضرحة المعنى، تتأمل ملامح من وهبوا أعمارهم للفكر والجمال والإبداع.
ومؤخرًا، أضيفت إلى هذا الرواق الخالد صور الفائزين في الدورة التاسعة عشرة، لتتواصل السلسلة التي لا تنقطع من الأسماء التي كتبت فصولًا باهرة في الثقافة العربية الحديثة. وحين حضرت افتتاح المعرض يوم الثلاثاء الماضي، شعرت أنني أعيش بين هؤلاء العظماء، أتنقّل من وجهٍ إلى وجهٍ، ومن زمنٍ إلى آخر، مأخوذًا بعمق التجربة التي تسكن كل لوحة. لم أستطع مقاومة الرغبة في التقاط صورة لبورتريه المفكر الراحل الدكتور محمد جابر الأنصاري، رحمه الله، فأرسلتها إلى ابنته السيدة هالة بنت محمد جابر الأنصاري، مستشارة سيدي جلالة الملك المعظم للشؤون الثقافية والعلمية، كتحيةٍ إلى الذاكرة والوفاء. كما التقطت صورة أخرى لأديبنا الكبير أمين صالح، الذي يشعّ وجهه بالحكمة والسكينة.
تجد نفسك هناك أمام خارطةٍ من الأسماء اللامعة التي صاغت وجدان الأمة، ورفعت منسوب الوعي والجمال في الحياة العربية. أسماء بحجم فدوى طوقان، حنا مينا، سعدالله ونوس، جبرا إبراهيم جبرا، الفريد فرج، عبدالرحمن منيف، زكي نجيب محمود، محمد مهدي الجواهري، نزار قباني، إدوارد سعيد، محمود درويش، أدونيس، صنع الله إبراهيم، رضوى عاشور، عبدالعزيز المقالح، فيصل دراج، هدى بركات، أمين معلوف، قاسم حداد، أمين صالح ، صلاح فضل، وغيرهم كثير ممن وضعوا بصمتهم على الذاكرة العربية.
إنها ليست مجرد لوحات تزيّن جدران مؤسسة، بل سجلّ ضخم لذاكرة الإبداع العربي، تُطل منه الوجوه لتذكّرنا بأن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن الجائزة لم تكن يومًا احتفاءً بالأفراد بقدر ما كانت وفاءً للفكر، واحتفاءً بجمال الإنسان حين يكتب اسمه في سفر الخلود.
جريدة البلاد