يوم التاسع من هذا الشهر أيلول، انطلقت في مؤسّسة سلطان بن علي العويس الثقافيّة في دبي فعاليات المعرض الاستعادي للفنّان السوري عبد اللطيف الصمودي (1948 – 2005)، تحت عنوان (ألوان من حكاية الغياب)، ليكون الجمهور على موعد مع (75) لوحة تلخّص مسيرةً حافلة بالإنجاز، مع ما تخلّلها من محطّات فيها شجن وألم وفقد، جنباً إلى جنب مع فيوضٍ من الجمال والتأمّل والفنّ الخالص، ما يمكن تلمّسه بوضوح في كلّ لوحة تقريباً، إن لم نقل: في كلّ تفصيل من كلّ لوحة.
الحدث الأبرز في هذه التظاهرة هو إزاحة الستار، ولأوّل مرّة، وبشكل حصريّ، عن اللوحة الجداريّة الملحميّة (حماة 1982)، بطول 345 سم، وارتفاع 175 سم. حماة – مدينة الفنّان ومسقط رأسه؟!! أليست هي ذاتها الكلمة التي تحيل إلى الرعب، أكثر ممّا تحيل إلى اسم مدينة؟ من يجرؤ على نطق اسمها؟
العنوان وحده (حماة) كفيل بإحداث صدمة تستحضر من ذاكرة السوريّين فجيعةً حُرموا طويلاً حتّى من حقّ الحداد عليها. صدمة تكسر جدار الصمت، لتضعنا أمام وثيقة بصريّة شديدة القسوة والصدق، متجاوزةً السياسة وحساباتها، والتاريخ ومراوغاته، باتجاه العمق النفسيّ والوجوديّ للمأساة.
بنى الصمودي عمله على تضادّ لونيّ صارخ، لكنّ التضادّ هنا شكليّ فقط، فاللون الأزرق الذي يصنّف عادةً ضمن الألوان الباردة، يبدو في اللوحة عنيفاً خانقاً وهو يحيل إلى زرقة الجثث المتحلّلة.
ثمّ يتواطأ هذا الأزرق الجنائزيّ مع الأحمر الذي تخلّى عن الجزء الخاصّ بالحياة والدفء من دلالاته الرمزيّة لصالح الجزء الآخر الفجائعيّ، متمثّلاً بالدم المسفوك الذي احتلّ مساحات واسعة من اللوحة بدءاً من الجسد المنتصب يميناً في موقع يبدو فيه مهيمناً على مسرح الأحداث كلّها، بملامح ليست بعيدةً عن ملامح الأسد (اللبدة المنفوشة، والشفة المشرومة، والعينان الجاحظتان..)، وتحت قدميه جسد آخر مستلقٍ بوجه متشنّج ألماً، مروراً بالجرح القاطع في ذراع المرأة المتضرّعة، وليس انتهاءً بالشمس الدامية، ثمّ الذكريات التي تحملها جدران البيوت على شكل نقوش ورموز وعناصر معماريّة تؤكّد هويّة المكان..
أجساد مشوّهة، وأشلاء، وظلال، وعناصر من الطبيعة، وعمارة، وأقواس، وألوان لا تكفّ عن الصراخ.. فوضى مريعة تشبه ما يخلّفه القتلة عادةً عندما يقتحمون مكاناً..
تكتسب اللوحة أهمّيّة مضاعفة عند التوقّف أمام تاريخ إنجازها. يقول طارق الصمودي قيّم المعرض ونجل الفنّان الراحل، إنّها ظلّت مخفيّة لعقود منذ أن رسمها الفنّان في مطلع ثمانينيّات القرن الماضي.. الثمانينيّات إذاً: قلب المرحلة السوداء التي عاشتها سوريا، أي الزمن الذي كان أقصى ما يطمح إليه كثير من الفنّانين هو الصمت، أو في أحسن الأحوال اللجوء إلى التعبير الرمزيّ المراوغ هرباً من المصير المأساويّ المحتوم.
بقاء هذه اللوحة مغيّبةً طوال تلك العقود يعبّر بوضوح بلاغيّ شديد النصاعة عن حجم الرعب الذي ساد تلك الحقبة، فإنجاز عمل صادم من هذا النوع، يمثّل فعلاً فدائيّاً مقاوماً، ومجازفة بالغة الخطورة، لذلك لم يكن ثمّة مفرّ من تغييبه، بانتظار لحظة آمنة تشبه اللحظة التي رأت اللوحة فيها النور قبل أيّام.
قد لا يختزل تغييب لوحة الصمودي حكاية سورية كاملةً، لكنّه بكلّ تأكيد يمثّل جانباً أصيلاً وراسخاً منها.. فوجدان السوريّين لم تثقله مفردة كمفردة (الغياب) التي حملها عنوان المعرض أيضاً: (ألوان من حكاية الغياب). هي الجرح النازف الذي لم يتوقّف يوماً عن النبض، لكنّه النبض الصامت المكتوم خوفاً وترقّباً.
الغياب، التغييب، المغيّبون، الغائبون: هذه ليست مجرّد مفردات. إنّها شفرات سكاكين، سياط، حبّات جمر، ثقوب سوداء التهمت أعماراً لم يعد من الممكن إحصاؤها، فضلاً عن استعادتها داخل المعتقلات، وفي أعماق المحيطات، وفي المنافي، وتحت القصف، وعلى أعواد المشانق، وبين فكوك آلات التعذيب.
يحاول المكتوون بنار الغياب والتغييب أن يفعلوا شيئاً.. أخرجوا لوحة الصمودي من مخبئها السرّيّ.. وأخرج آخرون مكتباتهم المطمورة تحت الأرض، أو المستورة خلف جدران أقاموها لهذا الغرض.. أفرجوا عن أغانٍ كانوا يتداولونها همساً، فتحوّلت إلى أناشيد وطنيّة تتردّد علناً.. كشفوا عن مذكّراتهم التي كتبوها، وحملوها معهم في هواتفهم ضمن مجلّدات محميّة بكلّ ما هو متاح من أدوات التشفير.. قصصهم، وأحلامهم، ورغباتهم، وأفكارهم، ومعتقداتهم.. لم يعد ثمّة ما يخيف..
لقد غُيّبت لوحة الصمودي إذاً، لكنّها ظهرت ثانية.. ولعلّ بيننا من يلتقط هذه الإشارة، ليقول بكلّ وضوح: الغياب.. ليس الغياب سوى الوجه الآخر للحضور.. فحماة اليوم -كما اللوحة التي صوّرت فجيعتها- حاضرة، تستعيد ألمها، ولكن في كثير من الثقة، وكثير من الأمل.






