يجمع كتاب «عاصفة في كوب شاي.. فيزياء الحياة اليومية» بين عناصر التشويق العلمي الغزير والحيوية الساحرة، في وصف التجارب الحياتية اليومية وكيفية ارتباطها بالقوانين الفيزيائية، وتستعرض فيه مؤلفته هيلين تشيرسكي الأدوات التي تغير منظورنا لكل ما يحيط بنا من مظاهر وأحداث نألفها، مثل انتفاخ الفشار، وبقع القهوة، ومغناطيس الثلاجة، وربط ذلك بأفكار كبرى كالتغير المناخي وأزمة الطاقة العالمية، أو الفحوص الطبية الحديثة.
هذا الكتاب يضع بين يديك خلاصة تجارب عملية وعلمية مباشرة، قامت بها المؤلفة في المحيطات والبحر والجبال والقطبين الشمالي والجنوبي، وعند البراكين وفي أماكن عديدة في العالم، فوصلت بمشاهداتها الجريئة إلى قيعان المحيطات وأقصى ارتفاعات الغلاف الجوي، إنها خلاصة مهام وتجارب علمية ومعرفية خارج المألوف.
يقدم الكتاب عرضاً لبعض مفاهيم الفيزياء وقوانينها بقلم أستاذة جامعية متخصصة في أحد فروع الفيزياء، والمؤلفة في الكتاب تفسر بعض الظواهر التي قابلتها في بحوثها، وتشرحها وتقدمها بلغة يفهمها القارئ العادي، بعيداً عن اللغة المستعملة في كتب العلم المتخصصة في الفيزياء، باستثناء بعض المصطلحات الفيزيائية التي تحتاج إلى توضيح.
يوضح الكتاب للقارئ العربي كيف يقوم العلماء بأبحاثهم، وأهمية الربط بين الملاحظة والتجريب، للتأكد من النتائج التي يتوصل إليها البحث، ويقدم نموذجاً أيضاً للباحث العربي الذي يريد أن يكتب عن نتائج أبحاثه للعامة من الناس، ويسعى إلى تبسيطها وتفسيرها باستخدام لغة الثقافة السائدة في مجتمعها، في سياق قصص وحوادث من الحياة الواقعية، لربط العلم بما يجري في الحياة.
تقول المؤلفة: «لقد درست الفيزياء لأنها فسرت لي أشياء اهتممت بها، وسمحت لي بالنظر إلى ما حولي وملاحظة آلية عمل الأشياء التي تسير حياتنا اليومية، أما الأفضل من ذلك فهو أن الفيزياء سمحت لي بأن أعمل بعضاً من هذه الآليات لنفسي، فعلى الرغم من أنني أصبحت فيزيائية محترفة، فإن كثيراً من العمليات التي أجريتها لنفسي لم تتضمن مختبرات أو أجهزة حاسوب معقدة أو تجارب مكلفة، وقد ظهرت أكثر الاكتشافات إقناعاً من أفعال عشوائية كنت ألهو بها في وقت لم أقصد أن أقوم فيه بأي عمليات علمية على الإطلاق، إن معرفة بعض الأساسيات الفيزيائية تحول الدنيا إلى صندوق ألعاب».
ليس على المرء أن يصبح عالماً مؤهلاً لكي يقوم بالتجارب في هذا العالم، إذ يكفيه أن يعرف بعضاً من أساسيات الفيزيائية لتضعه على المسار الصحيح، لاستنباط كثير من المسائل وحلها.
ترى المؤلفة أن كل إنسان يعول على ثلاثة أنظمة لحفظ الحياة: الجسم البشري، وكوكب الأرض، والحضارة التي نحيا فيها، والتوازي بين هذه الأنظمة الثلاثة، إنما يتسم بالقوة والترابط، نظراً لوجودها جميعاً في إطار فيزيائي متماثل، ولعل اكتساب إدراك أرقى لتلك الأنظمة الثلاثة من أفضل الأعمال التي بمقدورنا أن ننجزها للحفاظ على حيواتنا، وإبقاء مجتمعاتنا في ازدهار مستمر، وما من شيء آخر له من المنفعة البرجماتية والسحر الأخاذ معاً أكثر منها، ولذلك يتناول الكتاب هذه الأنظمة لحفظ الحياة، كل على حدة.
تشير المؤلفة إلى أنه في الخمسينات من القرن ال20 انطلقت الحضارة البشرية نحو حقبة علمية وتقنية جديدة، فقد وضعت الأسس التي تعتمد عليها مجتمعاتنا الحديثة، مواقد الموجات الكهرومغناطيسية (المايكرويف) ولعبة التركيب (ليجو) كلها أصبحت مستعملة على نطاق شعبي واسع، وتقبلت البشرية قدوم العصر الذري وأعيدت صياغة القواعد الاجتماعية، واخترعت البطاقات الائتمانية.
تفسير الأرض
على الرغم من ذلك كله، ووسط كل هذه الأحداث السريعة، لم نتمكن من إدراك حقيقة الكوكب الذي نعيش فيه أو نفهمه، لقد أبلى علماء الجيولوجيا بلاء حسناً بتصنيف صخور الأرض وفهرستها، لكنهم لم يستطيعوا تفسير الأرض نفسها: من أين جاءت كل هذه الجبال؟ ولماذا هذا البركان؟ ولماذا بعض الصخور قديمة وبعضها الآخر جديد؟ ولماذا تختلف الصخور في كل مكان ننظر إليه؟
توضح المؤلفة أن إحدى الملاحظات المهمة فحواها أن الساحل الشرقي للقارة الأمريكية الجنوبية والساحل الغربي للقارة الإفريقية يبدوان وكأنهما قطعة واحدة انشقت إلى شطرين، فصخورهما متطابقة وشكلاهما متطابقان، فبناء على أي ظرف يمكن أن يحدث ذلك مصادفة؟ غير أن معظم العلماء نظروا إلى هذا التساؤل بمحض فضول لم يعيروه أي اهتمام، فلم يدر بخلد أي أحد أن أرضاً بهذه الضخامة قد تتحرك نحو أي مكان.
لم يأخذ العلماء هذه الفكرة على محمل الجد سوى قلة قليلة من العلماء لأن مجرد التفكير بتزحزح أرض ذات مساحة هائلة مثل قارة أمريكا لمسافة 3 آلاف ميل غرباً تبدو فكرة مثيرة للسخرية، فإن صح ذلك فما الذي فعل ذلك الدفع؟ وظل السؤال وحيداً بلا إجابة.
فيما بعد توصل العلماء إلى أن القارات تنجرف، لكنها لا تحرث في قاع البحر، بل تطفو فوق ما تحتها وتدفعها تيارات الحمل الحراري أسفل سطح الأرض، وهذه العملية ليست في الماضي فحسب، بل إنها جارية حتى الآن.
جريدة الخليج