يرتبط الجيل الأدبي والثقافي في الإمارات الذي ظهر في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، بالمجمع الثقافي في أبوظبي، الصرح الوطني الواقع في منطقة قصر الحصن، الذي يحمل رمزية تاريخية ومكانية ومعمارية تتمثل في كونه واحدة من المؤسسات الأولى المعنية بالآداب والفنون والنشر والترجمة بعد قيام الدولة في عام 1971. الرمزية المكانية تتمثل في البعد التراثي للمجمّع من حيث قربه من قصر الحصن أحد المعالم الإماراتية الماثلة بقوة في ذاكرة أهل البلاد، أما الرمزية المعمارية فتتمثل في العلاقة الجمالية التي تجمع بين المعمار الإسلامي والحديث ضمن فضاء مكاني رحب يقع فيه المجمّع.
قرأ في المجمع قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن شعراء إماراتيون مؤسسون مثل حبيب الصايغ، وعارف الخاجة، وأحمد راشد ثاني، وأحمد المدني، وحمدة خميس، وغيرهم من شعراء الفصحى والشعر النبطي، كما قرأ في المجمّع شعراء عرب كبار مثل سعيد عقل، والجواهري، وأدونيس، ومحمود درويش، وغيرهم العشرات من الشعراء الذين جمعوا بين الأصالة الشعرية التراثية التي يمثلها كتّاب الشعر الخليلي العمودي، والحداثة الشعرية التي يمثلها كتّاب قصيدة النثر من الشعراء العرب والشعراء الخليجيين على السواء.
كان المجمع مكاناً للحيوية، والحركة، والإقبال اليومي المبكر على منشآته الجاذبة للمثقفين، والقرّاء العاديين، وأقصد بذلك مكتبة المجمّع التي كانت واحدة من أهم المكتبات في الإمارات.
كان الشعراء، والكتّاب، والصحفيون، وطلبة الجامعات، وكتّاب القصة، والباحثون في التراث وفي الثقافة الشعبية يأتون في زيارات منتظمة ومرتبة إلى المجمع الثقافي في أبوظبي، إمّا لحضور فعالياته، وإمّا للقراءة ضمن برامجه وأنشطته، وإمّا لمتابعة ومشاهدة هذا المكان المتحرّك بالثقافة ومفرداتها المتجدّدة دائماً مثل العروض المسرحية، أو المعارض التشكيلية.
اهتم المجمع في تلك الفترة بحركة النشر المحلي الإماراتي، وحركة الترجمة من الآداب الأجنبية إلى العربية، ويذكر المثقفون الإماراتيون بكل أمانة ووفاء واحترام دور الشاعر الجمالي والجميل محمد أحمد خليفة السويدي الذي تولّى منصب الأمين العام للمجمع الثقافي من عام 1990 حتى 2006، وجعل من المجمع ملتقى للثقافات والجماليات والشعراء والفنانين والمسرحيين الذين نشأت بينهم بفضل الروحية الإدارية للشاعر محمد أحمد خليفة السويدي شبكة صداقات إماراتية خليجية وعربية، كان المجمّع بيتها ومنصّتها الإنسانية الراقية.
يتذكر المثقفون الإماراتيون المجمّع الثقافي لأنه جزء وجداني ونفسي من تكوينهم الشخصي والثقافي، والمجمّع في الوقت نفسه نواة أصيلة أو بذرة كريمة في بيت زرع إماراتي كريم في أرض أمومية وحاضنة للثقافة والفكر والأدب والفنون، ولهذا السبب ظهرت في السياق التاريخي للمجمّع العديد من التكوينات الثقافية المؤسسية التي وضعت الإمارات اليوم في صدارة بلدان العالم المعنية بالثقافة، وقوّتها الدبلوماسية الناعمة ومساراتها المتجهة دائماً إلى قيم الجمال والحياة والمستقبل.
جريدة الخليج
- 0097142243111
- info@alowais.com
- 2026-03-07 8:09 ص