بعد محاضرة لي في معرض الكويت للكتاب الـ48 في بداية الأسبوع، لحقت بي فتاة وبخجل خاطبتني: «مساء الخير أستاذ طالب».
«مساء النور».
«قرأت جميع رواياتك، وروايات أخرى ولي كتابات متفرّقة، لكن كيف أكتب رواية؟».
ابتسمت لها. ولأني لمحت شيئًا من حرجٍ مسَّ نظرتها قلت: «هذا سؤال كبير، وكبير جدًا».
كنا نقف، فتاة شابة ترغب بكتابة رواية وكاتب جاوز الستين. احترت كيف أُجيبها، لذا ابتسمت لها قائلًا: «سأرد عليك في زاويتي في جريدة القبس».
«شكرًا، سأنتظر». قالت وانسحبت بخطوات هادئة، وها أنا أكتب إليها.
الشباب المُحب للأدب والقراءة، يقرأ الأعمال الروائية العربية والعالمية، فيراها سلسة ومشوّقة وفيها من الخاص بقدر العام، وهذا ما يحرّك لديه رغبة دفينة بالكتابة.. قراءة بعد قراءة يزداد حضور هذه الرغبة أكثر، وقد تتحوّل إلى هاجس، ريثما يجد أحدهم نفسه متورِّطًا بمشروع كتابة رواية، ظانًّا أنها ستكون قادرة على لفت الأنظار إليه، خاصة بوجود جوائز عربية كثيرة للرواية!
كتابة الرواية هي السهل الممتنع بامتياز. هي كتابة طيّعة جدًا ومُخاتلة جدًا. بسيطة جدًا ومعقّدة حد عُقد البشر. سهلة سهولة الحكاية، وصعبة صعوبة حياة الواقع العجيبة. مُتاحة للجميع، ومُتمنّعة عن كل كاتب. مغرية حد التورّط، وحبل شاهق مشدود يصعب الخطو عليه. وهي بعد هذا تحتاج لموهبة متجذّرة، وقراءات كثيرة وعميقة ومتنوّعة في سن الطفولة والشباب. وأخيرًا لا يمكن لكاتب أن يصبح كاتبًا برواية واحدة قد تأخذه للفوز بجائزة، وتحقق له شهرة سرعان ما تتبخّر من حوله. الرواية رحلة عمر وحياة، وهي تراكم إبداعي يتطلّب جهدًا خارقًا كي يبقى صامدًا متجددًا أمام تغيّرات الأدب والحياة!
كتابة الرواية هي كتابة الحياة. ويكفي أن يتأمل الإنسان مشهدًا حياتيًا عابرًا ليرى الإعجاز في رصد عناصره وكتابته بنبضه من مختلف جهاته، واستحالة الإتيان به فنّيًا: حيًا ومعبرًا وقاسيًا كما في عبوره الواقعي!
كتابة الرواية تحتاج لفكرة وخبرة ووعي ولغة وخيال وأسلوب وموقف من الحياة. تحتاج لفكرة تخمّرت في ذهن كاتبها، وخبرة في قراءات كثيرة ومتنوّعة، ووعي حاد بصعوبة كتابة رواية تكون مُشوِّقة في جميع فصولها. ولغة تعرف كيف تكثّف المعنى في كلمات دقيقة توحي بقدر ما تكشف، وخيال جامح ومجنون، وأسلوب جديد يدلّ على صاحبه كالبصمة. وأخيرًا موقف من الإنسان وقضاياه بعيشه وحريته وصدقه وحبه وموته!
أقرأ الكثير من الروايات العربية والعالمية فأصاب بالخيبة، خيبة اللغة، وخيبة الموضوع، وخيبة الأسلوب، وخيبة ظن الكاتب أنه يكتب رواية رصينة ومشوّقة. وما أكثر من أردد ونفسي: الكتابة الروائية مهارة كأي مهارة بشرية، ولأنه لا يمكن لإنسان أن يتقن مهارة دون علم ودراسة وممارسة وتراكم خبرة. فكما العزف على البيانو، وكما قيادة الطائرة، والغوص في أعماق البحار، وصيد الأفاعي فإن كتابة الرواية تحتاج لمهارة تأتي من قراءات كثيرة ودائمة ومتعمّقة ومتنوّعة، ووعي جمالي حاد، ونظرة ثاقبة لحوادث الواقع، وموقف إنساني حيال قضاياه، وأخيرًا كتابة متأنّية، ومراجعة فاحصة بواسطة محرر أدبي متخصص، وأخيرًا النظر والتوقّف أمام إغراء النشر!
بعد مضي نصف قرن من مصاحبتي للرواية، فإنني ومع كل قراءة جديدة أُمنّي النفس، بلقاء مع رواية آسرة تهزّ الفكر والقلب، سواء في موضوعها أو أسلوبها أو نموذج كتابتها. كتابة الرواية درس في مطالعة الحياة والتحدّث إليها بحكاية تشبهها، لكنها ساحرة تأسر قلب من يقرأها!
جريدة القبس