سليم بركات.. يكتب سيرة وهمية بأقلام كتّاب أشباح

“استئجار الأشباح” رواية غرائبية تدين السلطة والمنفى والسيرة.

يواصل الكاتب الكردي السوري سليم بركات في روايته الجديدة “استئجار الأشباح”، مشروعه الأدبي الفريد في اعتماده على المغامرة والتجريب وعلى استنطاق اللغة دون تردد. إنه يسرد حكاية تتجاوز أحداثها الغريبة والقاسية إلى مساءلة الذات والسيرة والأوهام والمنافي.

يتحول الاغتراب في اللغة إلى هاجس عصابي، وإلى منفى، له قسوته، وله عنفه الداخلي، وعلى نحوٍ يجعل الكاتب مهووسا بالبحث عن مواجهة أسئلته الغامضة، أسئلة الكائن والكينونة، بوصفها أسئلة نظيرة للغائب والهوية، تلك التي تحضر عبر كثافة استعارية، وعبر الوعي الأكثر شقاوة بها، وبما توحي إليه من نقائض تدفعه للتورط بالجريمة، بوصفها جزءا من سرديات المكان، ومن تمثيله للزمن السردي، زمن الرواة الأشباح، الذين تضللهم متاهة الواقع ومتاهة السرد ذاته.

روايات سليم بركات تحمل معها هاجس ما تخفيه السيرة، وما يتعالق بها من مآزق تخص اغتراب المنفى والهوية واللغة، إذ يجعل من لعبة السرد، وكأنها استيهامات تُحرّضه على البحث عن ذاته، أو عن هويته في المكان الدوستوبي، فبقدر ما يساكنه فيها من قلقٍ وجودي، فإنه يصطنع له معادلا سرديا، يتبدى عبر كثافة الحوار، وعبر الاستغراق في التفاصيل.

يجعل السرد بركات ممسوسا بالبحث عن كينونته، وعن هاجس نسيانها بالمعنى الهيدغري، حيث يتحول النسيان إلى رعب عميق، وإلى تجريب ملتبس، يقوده إلى التوحش والعنف، وإلى قتل الآخر، تحت إكراهات إشباع نزقه الداخلي، وإلى ما يُحيل إليه من كناية لتشوهه الداخلي، ولقتله النرجسي الذي يجعله أكثر عنفا في تمثيل غرائبية علاقته بالمكان الدستوبي، والهوية المقتولة.

كتابة السيرة الوهمية

◄ غرائبية الرواية تأخذنا إلى استطرادات أكثر غموضا، على مستوى حمولة الحدث الرمزية، وعلى مستوى مصائر الشخصيات

في روايته “استئجار الأشباح”، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت 2025، يعيدنا بركات إلى لعبة السرد المضاد، السرد الغاطس في المكان/ المنفى الدوستوبي، وبتمثلات المكبوت والمقموع، والمشغول بتقانة الإخفاء والغموض، وحبكة من يناور في تدوين السيرة التي يتشهى تضليل تدوينها عبر الآخر، حيث الكتابة التي تفارق الواقع، وحيث الكائن الذي يبحث عن وجوده عبر وجهات نظر متعددة، يستغرقها الاغتراب في المكان، وفي اللغة.

تتحول لعبة السرد إلى معادل رمزي للغائب الغامض، الذي يدخل في متاهة السيرة، ومتاهة المكان المعادي، وفي غرائبية تشبه عوالم ألفريد هتشكوك السينمائية، حيث الجريمة النفسية، التي تتناوبها شخصيات مريضة، في مسرحها الغامض المسحوب من الذاكرة/ الوطن إلى المنفى الذي يتحول إلى عزلة، حيث تواجه الهوية تناقضاتها، وحيث يتحول المكان الى ما يشبه المكان الجحيمي.

تنطلق حبكة الرواية من فكرة الشروع في كتابة السيرة الوهمية، حيث يقوم رجل ثري يُدعى”هايلون تورْنا” يملك المكان الغامض، والمهووس بزراعة الورد وصناعة المجسمات الخشبية، باستئجار مصور وأربعة كتّاب لتدوين سيرته الغامضة من زوايا متعددة، فيروي لهم أحداثا غريبة ومشوهة، وكأنه يدفعهم إلى متاهة تعكس خواءه الداخلي أو متاهته النفسية، وإلى عالمه المجهول الذي تسيطر عليه ابنة أخيه “باتيل” وأمها “زوريا”، وهما شخصيتان مهووستان بالقتل الجنسي.

جعل بركات من هذه الشخصية وقصتها فضاء حافلا بالكوابيس والأحداث الغريبة، حتى بدا وكأنه يكتب رواية بوليسية تكتظ بجرائم غامضة تحدث في المكان/ المزرعة، إذ يُدير الرجل الثري عبر قناع رجل السلطة المجهول، شبكة الإجرام التي تُشبع غرائزه، فيُخضع “كتّابه الأشباح” إلى تعذيب وقتل وحشي، وكأنه يعبث عبر الجريمة بالزمن، وعبر استخدام “الحشيش” في تضليل شخصياته المقتولة، لتمثيل إشباعه النرجسي المرضي، والتخيلات التي تجعله يقتل الآخر بوصفه الذات المنفية.

تجد رواية “استئجار الأشباح” في ثيمة القتل مجالا لصناعة “رواية الغموض” حيث يضمر الغموض عالما من الفساد الروحي، ومن الشخصيات الهوسية التي تخفي عيوبها الإنسانية خلف الجريمة، ولا أظنها بعيدة عن غموض شخصية بركات في عزلته، وفي موقفه من الوطن والمنفى والهوية، فيعمد إلى جعل جرائم القتل في المكان المعزول، وكأنها تطهير لعالمه الغامض، القريب من عالم “اسم الوردة” لإمبرتو إيكو، حيث تكشف جريمة الدير المعزول عن أزمة وجودية، وعن صراع خفي، مقابلا لجريمة “المزرعة المعزولة” وما يحدث فيها من جرائم قتل “ثقافية” للشهود – كتّاب السيرة، مع الرسام وللأخ الذي يعشق الحياة.

جرائم القتل تتحول إلى لعبة سردية تشتغل على ثنائية الهوية المقتولة، والذات المقتولة، حيث يصنع الروائي مسرح روايته، عبر سينوغرافيا دالة على العزلة، وعلى الغموض، تلك التي تكشف عن متاهة البحث عن الكينونة، وعن رمزية البحث عن الإشباع الرمزي للسلطة عبر القتل، قتل الشاهد الذي يستأجره للتعرف عن نرجسيته الغامضة، وعلى عطبه الداخلي.

تتحول جريمة قتل “الكتاب الأشباح” إلى ما يشبه قتل الضمير، أو قتل الصوت الذي يفضحه، والشاهد الذي يرقب هلاوسه، من خلال أدوات العائلة العصابية التي تساكنه المكان الغامض والبعيد، وهو كناية عن “المنفى” أو “الوطن الغائب” الذي يتحول عبر الجريمة السياسية إلى مكان عدائي، تتحول شخصياته إلى مجرمين، تشبك جرائمهم بين القناع النفسي والقناع الثقافي، وهو تفريغ للعصاب الذي تمارس طقوسه شخصياته المعلولة بكراهية الآخر.

رواية غرائبية

الغموض في الرواية يضمر عالما من الفساد الروحي ومن الشخصيات الهوسية التي تخفي عيوبها الإنسانية خلف الجريمة

العنوان بدالته الإشارية يُحيل إلى مفارقة سردية، فـ”الاسئتجار” فعل مادي، يتحول إلى فعل غرائبي عبر الأشباح، وما يجري داخل متاهة المكان يتحول إلى صراع عميق، يكشف عن مأزق وجودي، وعن سادية القتل الرمزي، بوصفه إشباعا لرغباته الداخلية، حيث يتحول القتل إلى معادل استعادي لفقد المعنى والهوية والمكان.

تكشف طقوسه الغرائبية عن وعيه الملتبس، وعن أوهام تحوله الفرنكشتايني، وعن غموض لعبة الاستئجار، بوصفها استئجارا للوعي الكاذب، وللشاهد الكاذب الذي يكشف عن أزمة المثقف/ المدون الذي يتورط في إغواء السلطة والجنس، حيث تتحول مصائر “الكتّاب الأشباح” إلى دال رمزي لنهايات المثقف الذي يتحول إلى قربان أضحوي لسيرة السلطة.

غرائبية الرواية وغموضها يأخذاننا إلى استطرادات أكثر غموضا، على مستوى حمولة الحدث الرمزية، وعلى مستوى مصائر الشخصيات، ومدى علاقتها بتدوين سيرة الرجل الثري، فبقدر ما تحمله من استبطان نفسي لتمثيل إدانة السلطة والمنفى والسيرة، فإنها بدت وكأنها نزوع لقتل المكان، الذي يشتبك في إحالاته بين “البلد” والمنفى، إذ يصنع لها الروائي عالما سرديا موازيا، عبر شفرة المكان المعزول، وعبر الشخصيات الغريبة المسكونة بهوس القتل، وعبر الشهود/ كتّاب السيرة الذي يتحولون إلى ضحايا.

تنفتح ثيمة الرواية الرئيسية على ثيمات موازية، تبدأ من سحرية المكان/ بيت أبي كير، وتحوله إلى مسرح جريمة، ولا تنتهي عند استدعاء “الكتاب الأشباح” الذين يحركون الحدث، عبر وجودهم الغرائبي في المكان الدوستوبي، حيث يتحول تدوين السيرة إلى شهادة على الموت، وإلى الدخول في نهاية تراجيدية، تعكس أزمة العلاقة مع المكان، ومع الآخر، إذ يفقد المكان الواقعي دلالته لصالح المكان السردي/ الشبحي، والذي يمنحه الروائي طاقة رمزية يستبطن من خلالها مأزقه الوجودي في المنفى، وأزمته مع الذاكرة والانتماء.

كما يجعل المكان فضاء لتصفية حسابه مع ذاته، عبر قتل مشروع السيرة، حيث لا يملك الرجل الثري سوى أوهامه، وسوى عطبه الجنسي، وعلى نحو يجعله أكثر تماهيا مع روح الشهريار، القاتل والمعطوب، والذي يقتل نساءه بوصفهن شهودا، وهو خيار وجده أكثر إثارة عبر استعارة لعبة “استئجار الأشباح” الذين يقتلهم لأنهم كشفوا عطبه النرجسي، ولأنهم فقدوا القدرة على تحويل سيرة الرجل إلى مجال تبئيري تتعدد زوايا النظر إليه، إذ هو كائن بسيرة غامضة، وربما هو هارب من تاريخ سياسي أو أيديولوجي معطوب، أراد من زوايا النظر الأربع أن تُطهره، وأن تجعله قادرا على مواجهة نسيان كينونته.

رواية “استئجار الأشباح” تدخل في ذات الزمن السيري الذي كتبه سليم بركات في رواياته السيرية “فقهاء الظلام” و”الجندب الحديدي” و”هاته عاليا، هات النفير على آخره”، والتي ربطت مشروعه السردي بالمخفي من سيرته، سيرة الكردي المسكون بالاغتراب، والوجع المخفي.

 تنحاز اللغة الروائية إلى الاستبطان النفسي والحوار الغرائبي، عبر شخصيات يستغرقها القلق والهواجس والارتيابات، حتى تبدو تلك اللغة وكأنها متواطئة مع نفيه الداخلي، ومع عوالمه الكابوسية، التي يرويها “الثري” إلى أشباحه الذين يعيشون رعب المكان، وفوضى الأسماء التي تبدو وكأنها ذات حمولات أسطورية، مثل “روكاس، ايكولا، ميراكو، بوركا، ديسو”، لغرض تعمية علاماتها ومصائرها، وعلى نحوٍ جعلها تعيش في الألفية الثالثة، وكأنه زمن للعنف الكوني، ولعنف شخصية الكائن المعلول بخوائه الداخلي، والمسحوب من تاريخ السلطة إلى المتخيل السردي دون أن يعرف كيف يدوّن سيرته.