منصات التكريم تشتاق سلطان العويس

يدعوني الوفاء -عندما أتحدث عن جائزة سلطان بن علي العويس للثقافة والإبداع- أن أتحدث عن صديقه ورفيق عمره وأسفاره السيد جمعة الماجد الذي عملت عنده رئيسًا للقسم الثقافي والإعلامي؛ لأني أشعر أن ثمة وشائج كثيرة جمعتهما، أهمها اتجاههما لدعم الثقافة والمثقفين، كل في منحى مكمل للآخر. فبينما نحا جمعة الماجد لإنشاء مكتبة عريقة فيها أكثر من مليون و250 ألف مخطوط وعنوان، ذهب العويس إلى الجوائز الثقافية وتكريم المبدعين والعلماء العرب، فخصص جائزة دائمة باسمه لها استقلالية تحت اسم «مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية» بموجب المرسوم الأميري رقم 4 لسنة 1994م، بتاريخ 21/3/1994م، ويكون مقرها مدينة دبي، وخصص لها وقفًا لتأمين استدامتها.
مركز جمعة الماجد
أول لقاء جمعني والراحل سلطان العويس عندما زار مكتبة مركز جمعة الماجد للاطلاع على المكتبات الشعرية بوصفه شاعرًا، وكنت حينها رئيس القسم الثقافي والإعلامي في مركز جمعة الماجد بدبي، وعضو هيئة تحرير مجلة آفاق الثقافة والتراث التي تصدر عن المركز، وقد توقّف، رحمه الله، بابتسامته المعهودة أمام مكتبة حمد خليفة بوشهاب، وهو شاعر إماراتي ونسَّابة معروف (بالهزار الشادي)، ويعد من جيل سلطان العويس. حكى لي سلطان العويس وهو يقلب في مكتبة حمد خليفة بوشهاب عن شعرية حمد المبكرة؛ إذ بدأ في سن التاسعة، وأنه حافظ على القصيدة العمودية في شعره شأنه شأن كل شعراء هذا الجيل.
أهم ما توقف عنده في المكتبة تلك الوريقات التي كتب فيها الشاعر حمد ملاحظاته وتعليقاته على الكتب. وامتد الحوار إلى الحركة الشعرية العربية، وحكى عن إعجابه بشعر نزار قباني وأنه كان سعيدًا بمنح الشاعر نزار قباني جائزة الإنجاز الثقافي والعلمي في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، حيث حل نزار ضيفًا على سلطان الذي أخبره عن مركز جمعة الماجد وطلب منه زيارة المركز. وفعلًا زار نزار المركز وأعجب بالخدمات التي يقدمها المركز للباحثين، وكانت هذه الزيارة سببًا في شراء المركز مكتبة نزار قباني الشعرية التي ضمت 137 كتابًا من دواوينه المنشورة والدراسات التي أُجريَت حوله. لعل من أقدمها نسخة مصورة من كتاب «دنيا الحروب: ملحمة شعرية أوحتها نار الحرب الحاضرة وصدى أنين البشرية المعذبة المرهقة»، نُشِرَ سنة 1941م. وكتاب «قالت لي السمراء» الذي نُشِرَ سنة 1944م.
مئوية العويس
أسوق هذه الحكاية الجميلة النائمة في ذاكرتي اليوم وأنا أقرأ احتفاء اليونسكو برجل الأعمال الراحل سلطان العويس وجوائزه الثقافية. بوصفه من رجال الأعمال الناجحين الذي أولى اهتمامًا خاصًّا بإبداع المبدعين وتكريمهم. وها هي اليونسكو اليوم ترد الجميل لتحتفي بمئوية ميلاده 2025م بعد مُضِيّ 24 عامًا على رحيله والاحتفال بالذكرى المئة لمولد سلطان بن علي العويس (1925-2000م)، وجاء هذا الاعتماد بعد الاطلاع على ملف الشاعر الإماراتي الذي قدمته اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، في الدورة الثانية والأربعين للمؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. وتعد هذه المبادرة واحدة من أبرز مبادرات اليونسكو للاحتفال برموز الثقافة الأصيلة حول العالم في شتى مجالات الفكر والمعرفة والعلوم.
في الجوائز العالمية الكبرى لا مجال للعبث غالبًا. ومن خلال وجودي في مكان الجائزة وحضوري فعالياتها كلها أكاد أجزم أنه كان يفوز في كل سنة الأفضل ومن يستحقها غالبًا، ومن ينتصر لخياراته الإنسانية والجمالية. هذه المصداقية التي تحظى بها مؤسسة سلطان بن علي العويس من آليات الاستفادة من خبرات الجوائز العالمية، وما تمتعت به من قدر كبير من الاهتمام عالميًّا؛ كما أنها كانت تتفرد بشمولية الفنون الأدبية والإبداعية فضمت الشعر والقصة والرواية والمسرحية والدراسات الأدبية والنقد والدراسات الإنسانية والمستقبلية وجائزة مخصصة للإنجاز الثقافي والعلمي واختيار شخصية ثقافية أو علمية أو عامة أو مؤسسة تركت بصمة وأثرًا في الحياة الثقافية.

لا يبدو لي الحديث عن جائزة سلطان شبه محرج لما قد يفسره بعض على أنه نوع من المبالغة والمحاباة، ولكن الوقائع والتقييمات العالمية هي التي سبقتني في تأكيد هذه الرؤية.
من كان يتصور أن ملك الديناميت في العالم يصبح ظاهرة أصيلة ويترك وصية أن تبقى جائزته مدى الحياة كجائزة عالمية دائمة، بينما نحن ننكر على رجال أعمالنا الذين هم أولاد الأدب والشعر، وليس ذلك بدعًا، فلهم دواوينهم واهتماماتهم، وهي دافعهم في دعم الشعر والأدب والنقد والدراسات.
رحل سلطان العويس وفي مخيلتنا ستظل صورته بابتسامة لم تفارقه، وستظل روحه الشاعرة تحوم كل سنة في مهرجان الإبداع والشعر والأدب العربي، شمعة لا يخبو ضوؤها، ونورًا يضيء طرق الموهبة للجميع.
سلطان العويس.. ما أكتبه عنك لا أستطيع كتابته من دون أن تسبقني عواطفي ومشاعري إليه، وهو بعض وفاء للرجل الكبير والشاعر الإنسان الذي قدم للثقافة والإبداع ما يبقيه حرًّا. سلطان العويس… كم تشتاقك منصات التكريم واسمك يملأ المكان، وكم ستشتاق إليك مهرجانات الشعر ومعارض الكتب، وكم سيتحدث المبدعون عن مآثرك؛ لأنك جسدت معنى الثقافة في مداها العميق بما يجعل من المرء إنسانًا بالدرجة الأولى أكثر منه عارفًا، وهذا هو الهدف الأسمى للقراءة والمعرفة والإبداع والجوائز.

*باحث وناقد سوري