مراوغة الكاتب

هل بالإمكان القول، إن الأدب يتجه نحو التخلي عن المباشرة كلية، والدخول في دهاليز الغموض، وعدم الإفصاح، عبر ما صار يعرف بالمراوغة في الكتابات الإبداعية، سواء الشعرية أو السردية وغير ذلك؟ وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر ذلك في العلاقة التقليدية بين النص والمرسل والمتلقي؟ فالملاحظ أن العديد من الكتّاب، سواء عبر التجريب أو غيره، يتجهون بصورة كبيرة نحو الأسلوب غير المباشر في التعبير عن تجاربهم وتأملاتهم، ورصدهم للظواهر والأشياء في أعمالهم الإبداعية.
والمراوغة في الكتابة، بشكل عام، تعني استخدام أساليب لغوية، لتجنب الإجابة المباشرة أو الوضوح في الكتابة. قد تتضمن هذه الأساليب استخدام لغة غامضة، أو تقديم معلومات جزئية، أو تغيير الموضوع لتجنب الإجابة عن سؤال معين. قد تكون المراوغة مقصودة أو غير ذلك، وفي السابق كانت هناك أسباب واضحة للجوء الكاتب إلى المراوغة، وعدم التصريح والدوران حول القضية المعينة، ومنها ضعف الحريات في حقب تاريخية معينة.
وهناك العديد من التيارات التي تبنت فكرة المراوغة في الأدب، منها الرمزية والعبث  اللامعقول والمدارس العدمية وغير ذلك، والتي ظهرت في منعطفات تاريخية معينة كانت فيها الحريات تضيق، وسيف الرقيب مسلط، فمارس المبدعون، حتى في مجال الفنون، أشكالاً من التناول الذي يعتمد بشكل مباشر على القارئ وقدرته على ملء الفراغات والفجوات في النص، وفهم ما يريد الكاتب إيصاله من معاني ورسائل.
وإذا كانت فكرة المراوغة في السابق حالة ضرورية لجملة من الأسباب الاجتماعية والثقافية والسياسية، فلماذا استمرت تلك الظاهرة بعد أن زال شبح الرقيب، وتبدد الخوف في أجزاء واسعة من العالم؟، حيث نجد أن الغموض تعمق أكثر في العصر الحديث، فمن الواضح أن المراوغة انتقلت من لحظة الضرورة إلى أن أصبحت أسلوب كتابة ثابتاً عند الكثيرين، وربما ما شجع على الاستمرار في حالة المراوغة تلك، أنها تحتشد بالجماليات وتعمق من القضية التي يتناولها الكاتب، وذلك يعود إلى التقنيات التي توصل إليها المبدعون من خلال الكتابة الغامضة والمراوغة، وصار من الصعب التخلي عنها، كما أنها تصلح للتعامل مع هذا العصر الذي يتسم بالتشظي، وسيادة العزلة، وحالة الفردانية والاغتراب بالمعنى الفلسفي.
وربما على رأس تلك التقنيات والأساليب في مجال الكتابة الغامضة، الاعتماد على العلامات والرموز والإشارات والإحالات والدلالات، فهذه الطريقة تختصر الكثير وتحترم القارئ الذي يدخل في عملية ذهنية، من أجل تفكيك العلامات، وتأويل الرموز وتفسير الدلالات، ما يعني أن الكتابة المراوغة وغير المباشرة، تنشط العقل، وترفع من مستوى المتلقي، وتحفز الخيال، ما يعني أن هناك ضرورات فنية وأسلوبية وفكرية في استمرار ظاهرة المراوغة.

جريدة الخليج