الفرق بين العين الغافلة والعين اليقظة هو نفسه، فيما نرى، الفرق بين البصر والبصيرة. صحيح أن الأغلبية الساحقة من الناس ترى بعيونها، لكن العيون الغافلة حتى لو رأت ما أمامها، فإنها تبصر فقط، تكتفي بسطح الأشياء، تمرّ على الوقائع مرور العابر، وتطمئن إلى المألوف مهما كان زائفاً، أما العيون اليقظة، فتفعل ما تفعله البصيرة، تحقق الانتقال من المشهد إلى المعنى، ومن الظاهر إلى الباطن.
العين الغافلة مأخوذة بالتكرار وبما استقرّت عليه أمور الجماعات من يقين، فترى الأشياء كما تقدّم لها، أو كما ترغب هي في رؤيتها دون جهد يذكر، دون شكّ أو مساءلة، صحيح أن العين هنا صاحية تبصر، لكنها، من المنظور المعرفي، نائمة، كسولة، غافلة، غير أن للعيون اليقظة -أي للبصيرة- شروطها: مسافة للتأمل والتفكّر، شجاعة كافية للشك فيما ترى، وعدم الاكتفاء بسطح الأشياء، وإنما بالنفاد إلى ما هو جواني فيها، وإذا كان البصر معطى للجميع تقريباً، فإن البصيرة لا تعطى وإنما تكتسب بالعلم والمعرفة والمران وبإعمال العقل، الهبة الربانية للبشر، ما يمنحها قدرة المساءلة لا التسليم.
كثير من عاهاتنا، كأفراد وكجماعات، عائد إلى عجزنا عن التفريق الضروري بين اليقظة والغفلة، فيبدو لنا أننا نرى كل شيء، فيما نحن لا ننتبه لشيء، نعتاد القبح فلا نعود نراه قبحاً، نعتاد الجهل فلا نعود نراه جهلاً، والأمر نفسه يقال عن الكسل ونظائره، فلا نتبصر بيقظة في ما تحمله الذاكرة، ولا إلى ما هو عليه المكان، ولا حتى إلى أنفسنا، فلتفعيل البصيرة علينا تفكيك التفاصيل الصغيرة، وإعادة الاعتبار لما يبدو عادياً ومألوفاً، فنكشف المعنى حتى في الهامشي واليومي.
علينا ألا نستغرب، والحال كذلك، لو عرفنا أن أخطر أشكال العمى هو الذي يكون والعين مفتوحة، ألم يكن طه حسين عملاق الفكر والأدب ضريراً لا يرى، ولكنه، رغم ذلك، رأى ما لم يره أغلبية مجايليه، بل ولاحقيه؟ فهو لم ير حاضره فقط، وإنما رأى المستقبل، وحتى حين عاد للماضي، للتاريخ، وتاريخنا تحديداً، رآه ببصيرة المساءلة والجدل، كأنّه يؤكد لنا أنه ليس مهمّاً أن نرى أكثر، بل أن نرى على نحوٍ مختلف.
البصيرة فعل وعيٍ وتأويل، رؤية بالعقل والقلب معاً، لا تعتمد على العين وحدها، بل على الخبرة، والتفكير، والقدرة على الربط بين الظواهر واكتشاف ما وراءها، فترى ما وراء المرئي: الدلالات، النوايا، البُنى الخفية، والسياقات التي لا تُلتقط بالحواس.
لا يُخشى على المجتمعات، إذن، من ضعف البصر، بل من غياب البصيرة، لأن الأولى نقصٌ فردي، أما الثانية فعمىً جمعي، يجعل الناس يرون كل شيء ولا يفهمون شيئاً.
- 0097142243111
- info@alowais.com
- 2026-03-07 8:10 ص