تقول سيرة الأديب الروسي الشهير ليف تولستوي إنه بعد إنهائه المدرسة التحق بجامعة قازان، ليدرس اللغات الشرقية والقانون. وتعدّ هذه الجامعة ثاني أقدم مؤسسة للتعليم العالي في روسيا، حيث تأسست في عام 1804. وبالمناسبة، فإن تولستوي ليس الوحيد بين الشخصيات الروسية الكبيرة التي التحقت بها. مثله سيفعل الشاب فلاديمير إيليتش أوليانوف، الذي سيعرف لاحقاً باسم الشهرة «لينين»، مؤسس الدولة السوفييتية، الذي التحق، هو الآخر، بكلية القانون فيها، لكنه لم يكمل الدراسة بعد فصله منها بسبب نشاطه السياسي.
استولى القياصرة الروس على مدينة قازان التي تقع فيها الجامعة، في عهد إيفان الرهيب، عام 1552، لتضمّ إلى روسيا، وهي اليوم خامس أكبر مدينة في روسيا الاتحادية، وأكبر مدينة تقع على نهر الفولغا الشهير، الذي أتى ذكره في قصيدة لمحمود درويش الشاب، قال فيها: «لن يصبّ النيل في الفولغا/ ولا الكونغو، ولا الأردن، في نهر الفرات/ كلّ نهرٍ، وله نبع ومجرى وحياة».
وكون قازان عاصمة تتارستان التي يشكّل المسلمون ما تتراوح نسبته بين 65% إلى 70% من إجمالي سكانها، يحملنا على السؤال عما إذا كان لعيش تولستوي الشاب فيها للدراسة أثره في شغفه، لاحقاً، بالتعرف على الإسلام، كما تشي بذلك مراسلاته مع المصلح الديني محمد عبده، التي بدأت برسالة بعثها الثاني إلى تولستوي أثنى فيها على ما كتبه حول الإسلام، ما خلق في نفسه ودّاً تجاه الكاتب الروسي، لتصبح فاتحة لرسائل متبادلة بينهما، ويقال إن رسالتين للإمام مازالتا محفوظتين في متحف تولستوي بموسكو شاهدتين على موقفهما من لقاء الأديان ونبذ التعصب.
جاء في رسالة تولستوي الجوابية لمحمد عبده قوله: «أملي ألا أكون مخطئاً إذا افترضت، استناداً إلى ما ورد في خطابك، أن الدين الذي أؤمن به هو دينك أنت، ذلك الدين الذي قوامه الإقرار بالله وشريعته والذي يدعو الإنسان إلى أن يرعى حق جاره، وأن يحب لغيره ما يحب لنفسه. وأود أن تصدر عن هذا المبدأ جميع المبادئ الصحيحة».
قبل أيام، في التاسع من هذا الشهر، سبتمبر/ أيلول، مرّت الذكرى السنوية لولادة مبدع «الحرب والسلام» التي وصفها الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا، بأنها مأثرة تولستوي الكبرى، كما كانت «دون كيخوت» لسرفانتيس، و«الكوميديا البشرية» لبلزاك، و«أوليفر تويست» لديكنز، و«البؤساء» لفكتور هوغو، و«السيرة الجنوبية» لفوكنير، فهم جميعاً أقنعونا بأن «الحياة أجمل بكثير وأغنى من صغائرها والبؤس الذي يعترضها من حين لآخر، وأنها في جملة القول وهدوء التأمل، تستحق أن نعيشها، ليس فقط في الواقع، بل أيضاً في الخيال بواسطة الروايات الكبرى».
وعن مجمل أدب تولستوي، قالت فيرجينيا وولف إن قراءة أعماله «تُشبه الانغماس في بحر من الحياة».
- 0097142243111
- info@alowais.com
- 2026-03-08 1:24 ص