لا يكفي الزمن وحده لتقسيم التاريخ الأدبي إلى حقب، كأن نجعل من عقد أو قرن من الزمن وحدة تحقيب، فنتحدث عن الشعر أو الرواية في القرن التاسع عشر مثلاً، كحقبة مختلفة عمّا سبقها وعمّا تلاها، ثم نلج القرن العشرين لنجعل منه حقبة أخرى مختلفة عن السابقة، أو نكتفي بعقدٍ، أو أكثر، من قرنٍ ما، لرصد مظاهر وسمات الحياة الأدبية عامة أو جنس بعينه من أجناس الأدب فيها.
لا يكفي الزمن وحده معياراً لأن إيقاع الحراك الأدبي نفسه قد يعاني من الثبات أو الجمود لفترة طويلة، تجعل من العبث تقسيم هذه الفترة إلى حقب، لأنّه لا خصائص لافتة تميّز المنتج الأدبي في مرحلة ما عن نظيره في مرحلة سابقة أو تالية، أما إذا اتسمّ هذا الحراك الأدبي بسرعة التغيّر، حقّ القول إن إنتاج عقد أو عقدين جدير بأن يشكّل حقبة لأنه مختلف في الرؤية والتقنيّة عمّا سبقه، وربما أسّس لمرحلة لاحقة ما كان ممكناً بلوغها لولاه.
مسألة أخرى لا تقلّ أهمية، هي استحالة النظر إلى الحراك الأدبي، والثقافي عامةً، في أي مجتمع، بمعزلٍ عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي يمّر بها هذا المجتمع، لأنها تترك أثرها، بالضرورة، في المنتج الأدبي، ورغم وعينا بخطأ الإسقاط الميكانيكي لأثر هذه التحولات أدبياً، لكن استقلالية الأدب والثقافة عن تلك التحولات نسبية وليست مطلقة.
هذه تأملات تحضر في الذهن من وحي دراسة للناقد عبدالرحمن أبوعوف عن «تحوّلات الخطاب الروائي للمرأة المصرية»، تضمّنها كتابه «قراءة في الكتابات الأنثوية»، وفيها درس تجارب ثلاثة أجيال من الروائيات في مصر، مختاراً اسماً من كل جيل مثالاً: لطيفة الزيات، سلوى بكر، ميرال الطحاوي.
شكّلت لطيفة الزيات، خاصة في روايتها الأولى «الباب المفتوح»، برأي أبوعوف، «إثراءً خلّاقاً للاتجاه الواقعي النقدي في الأدب المصري» الذي شهد ذروة صعوده بين الخمسينات والستينات من القرن العشرين، فيما رأى في روايتي «ليل ونهار» و«العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» لسلوى بكر نموذجاً للأدب الذي تناول التحولات التي شهدتها مصر في سبعينات القرن الماضي بعد رحيل جمال عبدالناصر، كون سلوى بكر امتلكت، حسب الباحث، رؤية فكرية مكّنت أدبها من ألا يصبح مجرد امتداد لما سبقه، وإنما إضافة إليه، أما ميرال الطحاوي في روايتيها «الخباء» و«الباذنجانة الزرقاء»، فقد مثّلت جيل التسعينات من الروائيات المصريات، الذي لم يكن معنياً، وفق الباحث، بانشغالات الجيلين السابقين، فبرز في آليات سرد ميرال الطحاوي المونولوج أكثر من الديالوج، وتميزت الروايتان بالحضور الساطع للأنثى بخصوصيات عالمها.
ما عرضنا له، باختصار شديد، «تحقيب» جدير بالوقوف عنده، سواء من موقع الاتفاق أو الاختلاف، وأهل الأدب أدرى بشعابه.
جريدة الخليج