حسن مدن

«التاريخ السري للقلوب»

لنبدأ بقراءة هذه الأبيات المنتقاة لشعراء أجانب من بلدان مختلفة، ترجمت إلى العربية من الإنجليزية، كي ندخل برويّة إلى فضاء رحب لا من الشعر وحده، وإنما من الحب أيضاً. أليس الحب والشعر قرينين؟ ولنبدأ بما قاله، شعراً، نيل غيمان: «أنا لا أعرف حقاً/ ماذا تعني كلمة أحبك/ أظن أنّها تعني/ (لا تتركني هنا وحيداً)»، أما جوزيف كولومبريتا فيقول: «هي/ ليست تلك الأغنية/ التي تودّ أن ترقص على نغماتها/ هي/ تلك الكلمات/ التي لا تستطيع/ إخراجها من رأسك»، ولإس.غري نقرأ: «لا توجد طريقة وديّة/ لمغادرة قلب أحدهم/ لكني أشكرك على المحاولة»، وعن جي.جي. ماري ننقل: «ما أخشاه حقاً/ هو ليس أني سأظلّ دوما أفتقدك/ بل أنك ستظلّ على الدوام/ الجزء المفقود مني»، وعن داكوتا لين: «الجزء الأصعب من حبك/ لم يكن رحيلك/ بل انتظار عودتك».

من انتقى هذه الأبيات العذبة وترجمها إلى العربية، هي الأديبة والمترجمة الإماراتية عائشة الكعبي، وجمعتها في كتابٍ اختارت له العنوان المعبّر التالي: «كيف لقلبٍ شاغرٍ أن يكون بهذا الثقل؟»، والعبارة أحد النصوص التي تضمنها الكتاب للشاعر آرش هاديش، وفي تصنيف الكتاب نقرأ على الغلاف أنه: «شذرات من الشعر العالمي المعاصر»، والشذرة، لغةً، تعني قطعة صغيرة أو جزءاً مجزأ، مثل شذرات الذهب، ويقصد بها أيضاً أسلوب الكتابة الموجز والمكتمل، ويقال إن لها جذوراً في التقليد الفلسفي اليوناني القديم.
عائشة الكعبي قاصّة وشاعرة ومُترجمة للأدب، كما أنّها فنانة تشكيلية أيضاً. عبّرت مجموعتها القصصية الأولى «غرفة القياس»، عن ثراء عالمها القصصي، وحسّها المرهف، ورشاقة عبارتها، وهذا ما نلمسه في أعمالها اللاحقة أيضاً، وبينها مجموعتها القصصية «لا عزاء لقطط البيوت»، وليس «كيف لقلبٍ شاغر أن يكون بهذا الثقل؟» إصدار عائشة الكعبي الأول في التّرجمة، وترجمة الشعر تحديداً، فسبق لها أن ترجمت نصوصاً من الشعر العالمي النسائي، جمعها إصدارها «ربّات الشعر»، كما أنها ترجمت نصوصاً لكتّاب عالميّين كبار بينهم تشيخوف، طاغور، كالفينو وسواهم، جمعها كتاب: «كيف كتبتَ الرسالة الأولى؟». تحتفي النصوص الشعرية المختارة، كما رأينا، بالحبّ، وبتفاصيلٍ مرهفة في الحياة لم يلتقطها فقط الشعراء الذين كتبوا هذه النصوص، وإنّما التقطتها المترجمة أيضاً، التي اختارتها من بين مجموعة كبيرة من النّصوص قرأتها، في سعيها لأن تعيش «حياةً تستحقّ الكتابة عنها»، ولأنها وجدت فيها ما يلامس روحها وروح أي قارئ يعرف بحاسته وخبرته أن «الشعراء يدونون التاريخ السري للقلوب»، كما كتب جون غرين، فنصوص الكتاب رحلة في الرّوح في حالاتها المختلفة، في دهشتها وفرحها وشجنها، في تفاؤلها وخيبتها، في تألّقها وانكسارها. نقرأ هذه النصوص فنشعر كأنّنا نسافر في ذواتنا.

جريدة الخليج