السمر فن أدبي قديم من خصائصه أنه ليلي وليس نهارياً، ومنه كانت «ألف ليلة وليلة»، وكلمة نسمر تعني فتح فضاءات الأحاديث من دون شروط، ومن هنا تتصنع القصص والحكايات، ومنه سمر البادية على أطراف خيام القبيلة، ويختص هنا بجلسة على ربوة عالية تصاحب النجوم والقمر وتحت صفحة السماء، حيث الفضاء المفتوح مدى ومعنى، وقد عشت هذه التجربة في طفولتي في مزرعة خالي على أطراف البلدة، وكذلك على سطح بيتنا المتصل بسطوح الجيران، حيث سمر النساء من جاراتنا يجتمعن في سطح يجمع باقي السطوح عبر بيبان خاصة للسطوح المتجاورة. والحديث في حالة السمر هو حديث نفسي وجسدي، جسدياً بعد عناء يوم كامل في شؤون الحياة ونفسياً هو حالة استرخاء ذهني وإجازة عقلية، يجوز فيه ما لا يجوز في غيره كحال الشعر، حيث يكون حديث الدعة فلا جد ولا التزام ولا مؤاخذة، فالإنسان الذي يقيد نفسه وعلاقاته وفق نظام اجتماعي ومستوى في الخطاب والسلوك يضيق من قيود النظام فيفر منها لحرية التفكير والتعبير معاً، ويسمر مع من تختارهم نفسه، ومن آداب الحديث في السمر هو رفع الكلفة والتسامح مع المتحدث مهما شطح به الخيال، ولا يدخل ذلك في المحاسبة ولا في التحرز.
والشعر والسرد معاً أهم سمات الحيوية البشرية، وكل إنسانٍ هو شاعر وحكاء في الوقت ذاته، ونحن نصنع حكاياتنا ونحول تجاربنا إلى سردية ذاتية نرويها حتماً ونقصها لغيرنا ويسأل بعضنا بعضاً عنها، كأن نقول كيف حالك في كل حالة لقاء، وهذه ليست سؤالاً عن الصحة ولكنها استجداءٌ للحكي وفتح شهية لعمران اللحظة بالقول ومنه جاءت كلمة (السمر)، ولعل الكلمة تحيل لسواد الليل وسمرته بين الظلمة وضوء النجوم، فهي عتمةٌ أكثر منها ظلمةً، مما يحمل إيقاعاً هادئاً يختلف عن صخب إيقاع النهار وعمله الشاق، وكذلك فإيقاع حياتنا هو قصائد موزونة بشرط الحياة، أي أننا قصائد وإن كانت عاقلةً، وليس كل الشعر إلهاماً، فبعضه هو ما نحفظه ونتمتم به أو نغنيه ولو همساً بخلواتنا وهذه حال عامة، وتتحول لحالات خاصة حينما يكون الإنسان شاعراً بالصنعة وبالمعنى المصطلحي أو روائياً كما المعنى العرفي، ولذا فالشعر والسرد لا يمكن أن نضعهما في موضع سؤال عن مضامينها، أي هما في حال استثناء رمزي ومعنوي، وهما رخصة شرعية وقانونية وعقلية، ولولا هذه الرخصة لأثمنا كلنا من قهر الجدية والعقلانية.
جريدة الاتحاد