لم يكن سعيد السريحي عابرًا في المشهد الثقافي السعودي ولا المشهد العربي ، بل كان حضورًا هادئًا وعميقًا، يشبه أولئك الذين لا يرفعون أصواتهم، لكن كلماتهم تظل عالقة طويلًا في الذاكرة. برحيله، يخفت صوت نقدي رصين، ويغيب عقل كان يحاور التراث بعين المحبة لا القطيعة، وبجرأة لا تستعرض نفسها.
تعرفنا إلى الراحل خلال الثمانينات ، ثمانينات الحراك الثقافي الفاعل في السعودية كما في الإمارات وبقية دول الخليج. كانت الساحة تضج بأصوات شعرية وقصصية شابة مبدعة وحداثية ، وكانت هناك ايضا اصوات نقدية شابة في وقتها ومبدعة وجادة في اشتغالها النقدي والبحثي ، كان من بينها السريحي والغذامي والبازعي والزهراني والحازمي وآخرون شكلوا دعامة وسندا للأصوات الجديدة ومرآة نقدية لها . كان السريحي رحمه الله حاضرا في المنتديات الأدبية والثقافية مجادلا ومنافحا عن آرائه ، ذا لغة رصينة ونبرة صوت خاصة تميز بها . ومثل غيره تعرض للكثير من الهجوم والنقد من حراس التقليد وسدنة الماضي إلا انه واجه كل ذلك بروح المتسامح واخلاق المفكر.
العام الماضي رأيت سعيد السريحي في ندوة بالكويت . عقل حاضر وذاكرة قوية لكني شعرت بشيء منكسر في داخله ، لعله وطء السنين وأعباء العمر اولعله الداء. مع ذلك كان كعادته ودودا ولطيفا كطفل.
كان السريحي من الكتّاب الذين آمنوا بأن النقد فعل أخلاقي قبل أن يكون تمرينًا ذهنيًا، وأن الثقافة ليست ساحة صراع بقدر ما هي مساحة فهم وتأمل. قرأ النصوص كما تُقرأ الحياة: بصبر، وبسؤال مفتوح، وبوعي بأن الحقيقة لا تُختصر في رأي واحد. لذلك جاءت كتاباته بعيدة عن الاستقطاب، قريبة من الجوهر، منحازة للمعنى لا للضجيج.
في زمنٍ كان فيه الخطاب الثقافي يميل إلى الحدة، اختار سعيد السريحي نبرة العارف المتأمل، لا المتعالي ولا المستسلم. ظل وفيًا لفكرة أن التراث ليس صنمًا يُعبد ولا عبئًا يُلقى جانبًا، بل مادة حيّة قابلة للفهم وإعادة القراءة. ومن هنا جاءت قيمته: ناقدًا لا يهدم ليشتهر، ولا يهادن ليُصفّق له.
رحيله ليس فقدان اسم في سجل الثقافة، بل غياب طريقة تفكير، وأسلوب حضور، ونموذج للمثقف الذي يعمل بصمت ويترك أثره في العمق. سيبقى سعيد السريحي حاضرًا في كتبه، وفي طلابه وقرائه، وفي كل من تعلّم منه أن السؤال أهم من الإجابة، وأن المعرفة موقف إنساني قبل أن تكون سلطة.
وداعا سعيد السريحي ولنا فيما تركته من اثر خير العزاء.
