السرد في ” الحياة ليست رواية ” لعبده وازن والبطل المتخفي خلف القارئ

ذهلت وانا اقرأ رواية ” الحياة ليست رواية ” لعبده وازن من كمية المعلومات حول الأعمال الأدبية خاصة الروايات وكتابها وأبطالها وشخوصها ، من الأعمال الكلاسيكية إلى الحديثة ، الغربية والشرقية ، التي تصلح لتكون مرجعا للباحثين كما تصلح مدخلا للمبتدئين من القراء الذين يتلمسون طريقهم إلى عالم الرواية البديع.


هذا الاستعراض الجميل والعميق في آن للروايات امر طبيعي عندما يكون بطل الرواية والسارد الرئيسي قارئ ، لا عمل له سوى القراءة ، وقد أطلقت عليه جوسلين ، الحبيبة والصديقة ، هذه المهنة ، فمثلما هناك المهندس والطبيب والنجار والسائق والحارس هناك ايضا القارئ الذي لا مهنة له سوى القراءة او الذي مهنته : قارئ ، وفي الرواية هو يقرأ الروايات تحديدا ، حتى صار ملما بها وخبيرا فيها دون ان يدعي انه باحث اوناقد ، بل يصر في احداث الرواية على انه قارئ فحسب.
وعلى مدى عدد صفحات الرواية التي تقارب المائتين وتسعين صفحة نعيش مع هذا القاريء السارد الذي هو في الحقيقة بطل الرواية وتنتهي الرواية من دون ان نعرف له اسما . فهذه رواية بطلها سارد لا اسم له وان كان يسرد بصيغة الأنا مما قد يوحي ان الكاتب هو بطل الرواية وان ما نقرأه فيه من سيرته الشخصية .
ويحدث ان يلتقي هذا السارد الغامض او المختفي خلف القاريء بحبيبته اوصديقته جوسلين وحبيبها وصديق عمره جوزيف فإذا بهم ايضا نخبة مثقفة يديرون حواراتهم حول الروايات بنفس العمق والاطلاع والجدل ، ومن هذا الجدل والحوار يتعلم قارئ الرواية الكثير.
وبعيدا عن شخوص الرواية وعلاقتهم الثلاثية الملتبسة لكن الحميمة والإنسانية والنادرة ، فإن الرواية محايدة تماما بعيدة عن الأيديولوجيا والاصطفاف على الرغم من مرورها الطبيعي في أحداثها بما جرى في لبنان إبان الحرب الاهلية من مآسي وآلام الخطف والقتل والقنص وغير ذلك من أهوال ، وذلك في اعتقادي لان السارد او الراوي الذي هو القارئ كما اشرنا مثقف طبيعي وانساني في فطرته ، لايكره ولايحب ان يكره ، كما عبر هو عن نفسه ، كما ان الرواية ليست عن الحرب ولا عن شخوص الحرب ، بل عن علاقة صداقة وحب بين القاريء وجوسلين التي احبها بجنون فيما هي احبت صديقه جوزف واحتفظت له بالمودة والصداقة والاحترام مع انه ظل يحبها كما احب صديقه حتى رحيلهما ، الصديق بالموت في حادث ، وهي بالمغادرة والعودة إلى فرنسا حيث تعيش منذ مقتل والدها في الحرب.
الرواية ممتعة كعادة روايات عبده وازن ، غير ان هذه الرواية اضافت لموهبته وطاقته الفنية القدرة الرهيبة على السرد ، فعبده وازن هنا يسرد ويسرد دون ان يشعر القارئ بالملل او خفوت نبض السرد لحظة ، ولاشك ان اطلاعه الكبير والمذهل والعميق على الروايات العالمية والعربية مكنه من قوة السرد ومن مزج احداث الرواية وحركتها مع كل هذا الحديث عن الروايات في عجينة واحدة متماسكة.
اخيرا هذا عمل روائي نادر ينهض فيه السرد بلغته المتدفقة والبسيطة والمشوقة كبطل حقيقي يدل على كاتبه : اي القارئ عبده وازن.