في مطالع عملي العلمي كتبت بحثاً بعنوان (الإنسان بوصفه لغةً)، وكنت قلقاً من العبارة وهل اكتفي بالدعوى الثقافية بأن كلمة إنسان تعني الرجل والمرأة معاً، ولكن الواقع لا يتسق مع هذه الدعوى، وهي بلا شك دعوى ثقافيةٌ وليست دعوى لغوية، خاصة حين نسترجع تغليب التذكير على التأنيث وأن التذكير هو الأصل، وهذه كلها تعزز فحولية اللغة، وكذلك فحولية الثقافة، ولذا ظلّت كلمة إنسانة غريبةً ثقافياً رغم وجودها لغوياً، ومرة واجهتني عبارة وردت في خطاب لمي زيادة وهي ترددها لكلمة (الفرد) مثل جملتها (أيتها السيدات إن ما يفوه به الفرد)، وهو تعبير تكرر عندها عدة مرات متوالية، رغم أنها كانت تخطب في محفل نسائي، وهذا ما دعاني لنقد خطاب مي وغفلتها عن تأنيث الخطاب، وحين ألقيت بحثي في محفل علمي سألني أحد الحضور قائلاً إن كلمة (الفرد) ليس لها رديف لغوي مؤنث، فقلت له ليس لها رديف ثقافي ولكن لها رديفاً لغوياً في كلمة إحدانا، وكان في مقدور مي زيادة أن تستخدم كلمة إحدانا بدلاً من (أحدنا أو الفرد منّا) لولا أن سلطان الثقافة قيّد لغتها وحبسها في التذكير، ولم يتقبل السائل جوابي رغم أنه أديبٌ وقدم لي أحد كتبه هديةً منه عند نزولي من المنصة، وهذا برهانٌ على سلطان النسق الثقافي الذي يجعل التذكير هو الأصل، وأنه أصل ٌ مطلقٌ لا يصح الخروج عليه بسلطة النسق وبسلطة تعود اللسان، ولم يكُ لسان مي زيادة بقادرٍ على تحويل كلمة واحدة إلى صف التأنيث رغم وجود الكلمة في معجم اللغة، فما بالنا إذن لو كنّا نتطلب ابتكار غير الموجود معجمياً، كيف ستكون الحال أمام جدار النسق الثقافي.
وهنا نرى الجواب وهو أن تتصدى المرأة نفسها لتأنيث ضمير اللغة وضمير المكان ومن ثم ضمير الذاكرة، وهو المبحث العميق الذي طرحته في كتابي الأول (المرأة واللغة)، وتلته أربعة كتب في تشريح الخطاب الثقافي عن المرأة وعن المرأة مع نفسها ومع خطابها، وهذا مشروع ابتدأ عندي عام 1987 في كتابي (الكتابة ضد الكتابة)، واستمر حتى اليوم، ولا شك أن المبدعة العربية أسهمت كثيراً في تأنيث النص، ولكن تظل سلطة النسق قويةً كما رأينا كيف تغلبت على مي زيادة وجعلتها تنطق بكلمة التذكير لتعبّر عن ذاتها وذوات الحاضرات معها، رغم وجود إمكانيةٍ لغوية حال النسق من دون تمريرها على لسان مي، وعلى ذهن ذلك الأديب، وهذا مثالٌ على عمق المشكل والذي يكشفه النقد الثقافي عبر الغوص على مضمرات النصوص ولعبة الاستحواذ والاستعمار الذهني. وأشير هنا لكتاب نوال السعداوى الموسوم بـ(الأنثى هي الأصل) ولكن خطابها في الكتاب حوّل المرأة ظلاً تحت سلطة النسق الثقافي، وظلت تستخدم ضمير المذكر في إحالاتها اللغوية كلها، مما جعل خطابها ينتكس ضد عنوان كتابها.
- 0097142243111
- info@alowais.com
- 2026-03-07 1:31 م