المرأة المثقفة كما تجلت في الرواية العربية

الكاتبة اليمنية هدى العطاس تقدم نماذج نسائية في تحدياتها المتعددة

تقول الكاتبة اليمنية هدى العطاس في مقدمة كتابها ما مفاده أن التعليم في اليمن، وفي حضرموت تحديداً، منبتها، لم يكن متاحاً للنساء إلا خلال أواخر الستينيات من القرن الماضي، لما شهدت اليمن ولادة جمهورية اليمن الديمقراطية التي فرضت التعليم على كلا الجنسين، بعدما كان تعليم الفتيات، إن توافر له مناخ من القبول لدى ذكور العائلات، كما حصل لدى عائلة العطاس، يجري داخل البيوت، ولا يتعدى القراءة والكتابة.

لوحة للرسامة كيالي (صفحة الرسامة - فيسبوك)
لوحة للرسامة كيالي (صفحة الرسامة – فيسبوك)

 

ملخص

من الدراسات الأكاديمية الجادة التي تسلط أضواء كاشفة على عوالم الأدب، والرواية العربية بصورة خاصة، مما يعين على فهم العلاقات المتحولة بين المرأة ومجتمعها العربي، الذكوري الطابع إجمالاً، دراسة الكاتبة والقاصة اليمنية هدى العطاس (1973) حول “المرأة المثقفة في الرواية العربية”. وصدرت هذه الدراسة حديثاً (2026) عن دار رياض نجيب الريس، بيروت، ضمن 366 صفحة .

والواقع أن جد الكاتبة لأبيها كان متنوراً ويملك مكتبة عامرة فيها كثير من الكتب التي تصير مادة للحرق على يد النساء الأميات. وفي المقابل، تروي الكاتبة كيف أن انفتاح بيئتها الصغرى، تعلُّم والدتها وتفتح ذهنية إخوتها، كان دافعاً لها وللفتيات من جيلها إلى مزيد من القراءة وتوسيع مداركهن، مما أفضى إلى مزيد من توليهن شؤوناً عامة، وأعمالاً خاصة.

ولمّا دخلت الكاتبة المسار الأكاديمي في بلادها، أدركت الفروق الكبيرة بين المرأة المتعلمة والمرأة المثقفة الملتزمة سياسياً واجتماعياً وإنسانياً. وإذ قررت، بالتالي، استنطاق الرواية العربية الحديثة والمعاصرة عما تحمله خطاباتها من صور للمرأة العربية، عبر شخصياتها النموذجية، ثبت لها أن ثمة عوامل عديدة تؤثر في تلون صور المرأة المثقفة العربية.

واعتمدت في ذلك على مقاربة مستلة من علم الاجتماع المعاصر وعلم النفس الجماعي والجندري وتحليل الخطاب الروائي وغيره، حتى بلغت المراجع فيه (169) مرجعاً علمياً إضافة إلى المدونة المدروسة، وهي كناية عن مجموع من الروايات العربية الحديثة والمعاصرة المختارة، والبالغة 11 رواية لمؤلفين ذكور (توفيق يوسف عواد وإبراهيم نصرالله وواسيني الأعرج وآخرين) ومؤلفات نساء (هيفاء بيطار وإيمان حميدان ورضوى عاشور وأخريات).

نساء مؤثرات

في الفصل الأول من الكتاب، شاءت الكاتبة العطاس أن تباشر أطروحتها بتبيين أن في الإسلام والنهضة العربية نساء رائدات، يمكن لجميع النساء العربيات الاقتداء بسيرهن والاعتبار من مساهماتهن في المجتمعات التي ينتمين إليها.

وعليه، تبدأ الكاتبة بذكر تراجم موجزة لكل من خديجة بنت خويلد أولى زوجات الرسول، وعائشة بنت أبي بكر زوجة الرسول الثالثة، وفاطمة الزهراء ابنة النبي من خديجة. ثم تذكر الشاعرة التي أدركت الإسلام من الجاهلية وهي “الخنساء”، وصولاً إلى سكينة بنت الحسين. فمنهن كن خطيبات، ومنهن متحررات من أسر التقاليد، ومنهن مبدعات شاعرات يدون أيام جماعتهن.

ولدى انتقالها للحديث عن النساء الرائدات “في الحقبة المعاصرة، ذكرت على التوالي: زينب فواز وملك حفني ناصف وهدى شعراوي، ونبوية موسى وماري عجمي ومي زيادة ونازك العبد وعنبرة سلام الخالدي، وغيرهن. وهؤلاء ساهمن في كل الأعمال الرائدة ضمن الحراك النهضوي العام الذي تعهده الرجال بالمقام الأول، مثل تأسيس الصالونات الأدبية وإنشاء المجلات والصحف وتحبير المقالات الداعية المرأة إلى التعلم، وتولي المناصب الرفيعة في الدول العربية وتوجيه الانتقاد لما في المجتمعات العربية من أوجه سلبية تحقر المرأة وتمنعها من التعلم،وتشيع النظرات الدونية إليها، من ناحية أنها قاصرة ذهنياً وعاجزة عن بعض المهن التي أعدت للرجال، بزعمهم.

ولم يمض نصف قرن، صار للعرب خلاله حكومات ودول مستقلة بعد الحرب العالمية الثانية، حتى نهضت فئة ثانية من النساء من مثل نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وغيرهما، يواصلن المطالبة بتحرر النساء تحرراً ناجزاً، وفقاً لوجهات نظر وأيديولوجيات غربية، مثل الالتزام السياسي التقدمي ومواجهة كل التيارات المتزمتة، والدفاع عن القضايا العادلة داخل المجتمعات العربية المعنية.

وبهذا بلغت المرأة درجة من الالتزام حق أن تدعى بها المثقفة العضوية بتعريف المفكر الماركسي غرامشي. ومن هذا المنطلق، سعت الباحثة في إثر صور المثقفة (الأنثى) في خطب الروايات العربية، وتبين درجاتها، وأهم العلاقات التي نسجتها مع مختلف أطراف العلاقات الاجتماعية الماثلة في مدونة الروايات.

نماذج المرأة المثقفة

وفي هذا الفصل، تقدم لنا الكاتبة استخلاصاتها من قراءة مدونتها الروائية، فتجد نماذج عن صورة المرأة المثقفة، تختلف ملامحها بين روائي وآخر، ففي رواية “أنا حرة” لإحسان عبدالقدوس على سبيل المثال نجد “أمينة” الباحثة عن “حريتها، وكسر قيود واقعها الاجتماعي”. وهي لئن تابعت تعليمها الجامعي وسعت إلى العمل بُغية استقلالها الاقتصادي، فإنها ارتضت أن تكون ظلاً لزوجها في آخر المطاف، متخلية عن أحلامها وطموحها.

وفي المقابل، تبرز “تميمة نصور” في رواية “طواحين بيروت” للكاتب اللبناني توفيق يوسف عواد، والصادرة بطبعتها الأولى عام 1972، صاحبة إرادة صلبة في متابعة تعليمها الجامعي والتثقف والانفتاح على الحياة المدينية والتعرف إلى الآخر المختلف ديناً (هاني)، على رغم استغلال أخيها لها، ومن بيئتها الجنوبية الفقيرة. وثمة نموذج المرأة المسيحية، كما في رواية “امرأة من طابقين” للكاتبة السورية هيفاء البيطار، وتدعى نازك، وترسم فيها صورة عن المرأة التي بلغت مقام الإبداع في الكتابة الروائية.

لكن يصدمها الواقع الأخلاقي المتدني للعاملين في مجال الثقافة والنشر، ممن حاولوا استغلال نازك جنسياً مقابل إصدار روايتها في الدار. وفي المقابل، نقع على نموذج آخر للمرأة المثقفة في رواية الكاتبة المصرية رضوى عاشور بعنوان “فرج”، وفيها تركز الشخصية “ندى” على ثيمة “الصراع والتصادم بين المثقف الثوري وبين السلطة” (ص:95) عبر ثلاثة أجيال متعاقبة من الأسرة نفسها، وصولاً إلى اعتقالها ودخولها السجن. ومن ثم تشهد هذه الشخصية لحظة تحرير الجنوب اللبناني عام 2000 من الاحتلال الإسرائيلي، وتتابع أحداث العراق، وغزوه.

تقول الباحثة ما مفاده أنها تنبهت من قراءتها مدونة الروايات العربية إلى عدد من الملاحظات، أولاها أن الروايات المصوغة خلال الخمسينيات والستينيات تختلف موضوعاتها ونماذجها النسوية عما في الروايات المصوغة خلال الثمانينيات والتسعينيات وما بعدها. وأن الأخيرة انطوت على نماذج من النساء المثقفات أكثر تركيزاً على حميميات المرأة المعاصرة وخصوصية مجالها الاجتماعي، وقضاياها الفكرية والاجتماعية الكبرى.

المثقفة والمنظومة الاجتماعية

وفي الفصل الثالث من الكتاب، تتثبت الكاتبة من أثر عامل المكان الاجتماعي في “تشكيل صورة المثقفة في الروايات”. وبينت وجود نوعين من الأمكنة، الريف حيث تتحدر غالب بطلات الروايات وأسرهن، ويهبطن إلى المدينة سعياً إلى التحرر من التقاليد والعلاقات الاجتماعية الضاغطة.

وفي المقابل، تصور الكاتبة المدينة فضاء أرحب للتعليم والعمل والعلاقات الفردية المتحررة. وعلى هذا النحو، نجد شخصية “تميمة نصور” في رواية “طواحين بيروت” تخطط للنزول إلى بيروت من أجل التعلم الذي تصر على مواصلته داخل الجامعة، على رغم استغلال أخيها المادي لها. وهذا شأن عدد من الشخصيات الأخرى في الروايات العربية المستفتاة، مثل “وردة” و”نازك”، و”نهلا” وغيرهن.

لكن اللافت في العوامل التي تصنع صور هؤلاء المثقفات المناضلات والمكافحات من أجل تحسين مصيرهن ومصير إخواتهن من النساء، ودفاعاً عن قضايا مجتمعهن الوطنية، وعن سبل تحررهن النسوي، انتماء الغالبية منهن إلى أحزاب يسارية (شيوعية واشتراكية)، كانت لا تزال ناشطة حتى العقد الأول من القرن الـ21.

www.independentarabia.com