الغائب في الرواية – بقلم مفيد نجم

3172018
الرواية السياسية لم تلتفت إلى الدور الخطير الذي تلعبه، بسبب تركيز هذه الرواية على ثنائية الجلاد والضحية، والجانب السياسي والإنساني في الصراع الذي يدور بينهما.

تجاهلت الرواية السياسية العربية حتى الآن شخصية المخبر، التي أفرزتها الدولة الأمنية، وتنامى دورها مع هيمنة السلطة على المجال العام. خطورة هذه الشخصية لا تكمن في دورها الذي تلعبه وحسب، بل من قدرتها على تضليلنا والتخفي وراء أقنعة كثيرة، فهي تعيش بيننا وتراقب حركاتنا وأقوالنا دون أن نعرف حقيقتها، وأي خطر تمثّله على حياتنا.

الخوف الذي باتت تزرعه في نفوس الناس، جعلت العبارة الشعبية المعروفة “للحطيان آذان” هي التعبير الحقيقي عن هذا الواقع. وعلى الرغم من أن شخصية المخبر هي جزء من مشهد الحياة السياسية، إلا أن الرواية السياسية لم تلتفت إلى الدور الخطير الذي تلعبه، بسبب تركيز هذه الرواية على ثنائية الجلاد والضحية، والجانب السياسي والإنساني في الصراع الذي يدور بينهما.

لم يقتصر دور هذه الشخصية على الفضاء العام، بعد انتقالها إلى فضاء السجن، حيث تلجأ الأجهزة الأمنية إلى تجنيد من يضعف أمام سطوة إرهابها من المعتقلين السياسيين للعب هذا الدور، ما يجعل وجودها يشكّل كابوسا داخل هذا الفضاء الرهيب. لذلك فإن تجربة السجن السياسي التي حاولت روايات عربية كثيرة مقاربتها تجاهلت وجود هذه الشخصية، وحالة السقوط الأخلاقي والإنساني الذي تمثله، أو الصراع النفسي العميق الذي يمكن أن تعيشه عندما تجد نفسها مكرهة على لعب هذا الدور.

في روايته الحياة في مكان آخر يستدعي الروائي التشيكي الأصل والفرنسي الجنسية ميلان كونديرا هذه الشخصية كاشفا عن وضاعتها وحالة الاحتقار التي تبديها شخصيات الرواية الأخرى لها، لكن المفارقة العجيبة أن تسريبات حديثة كشفت عن أن كونديرا نفسه قد لعب دور هذه الشخصية خلال مرحلة شبابه عندما كان يعيش في بلده الأول إبان الحكم الشيوعي لها.

لم تكن صفات الانحطاط الأخلاقي الملازمة لهذه الشخصية في الرواية، هي وحدها ما حاول كونديرا تمثّله وتمثيله، بل النهاية الدرامية التي انتهى إليها علاقته عندما قام أصدقاؤه بتحطيمه جسديا عقابا له، وكأن كونديرا أراد أن ينتقم من هذه الشخصية في محاولة للتحرر من هذه الشخصية التي ظلت تطارده في منفاه الباريسي، ومن ماضيه الذي يشعره بالألم والمرارة.

إن أثر شخصية المخبر التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية، في عالم الاستبداد تحوّلت إلى رهاب حقيقي في المجتمع لا سيما لأي صوت معارض، وعندما تغفل الرواية السياسية هذه الشخصية، فإنها تصمت عن جانب أساس من معاناة الواقع السياسي والاجتماعي، وتأثيرها على علاقات المجتمع وقيمه، ما يخلق حالة من فقدان الثقة بين الجميع، وهذا أخطر ما في هذه الظاهرة، التي تسعى السلطة إلى تكريسها.