«شمشون العرب».. الإنسان وراء الأسطورة

على مدى أكثر من سبعين دقيقة، تحدث علي بن حسن، الذي غاب اسمه طويلاً خلف لقبه الشهير «شمشون العرب»، عن بداياته فقيراً يبحث عن عمل، حين رحل يوماً من دبي إلى البحرين، لتسوقه الأقدار هناك إلى بناء عضلاته، التي صنعت له لاحقاً شهرة واسعة، بعدما حوّل قوته الجسدية إلى مجال للاستعراض والترفيه.

تجول في أنحاء الوطن العربي، من الكويت إلى مصر، ومن مصر إلى لبنان وفلسطين والأردن، وصولاً إلى ليبيا والسودان وسوريا. كانت الصحافة العربية تحتفي به أينما حل وأقام استعراضاته، كما حظي باحتفاء زعماء عرب، من الملك حسين إلى جمال عبدالناصر وغيرهما، وحمل لقب «شمشون الجبار» قبل أن يصبح «شمشون العرب»، ويختفي اسمه الحقيقي وراء اللقب الذي عرفته به أجيال كاملة.

عبد الحميد أحمد يقدم درع العويس التذكارية لشمشون العرب بحضور ناصر الظاهري
عبد الحميد أحمد يقدم درع العويس التذكارية لشمشون العرب بحضور ناصر الظاهري

 

رحلة طويلة عاد بعدها إلى أحضان وطنه الإمارات، ليواصل استعراض ألعاب القوة في ربوعها، قبل أن يعتزلها مع تقدم العمر، والأولاد، ومسؤوليات الحياة.

هذا الشمشون لم تقصّ دليلة شعر رأسه كما في الأسطورة، التي بدأ بها الفيلم، فقد عاش ليرى أبناءه وأحفاده الذين يقارب عددهم الثلاثين. ومع أنه، كما يبدو، تجاوز الثمانين من عمره، فإن حضوره الشخصي إلى عرض الفيلم، وإن كان على كرسي متحرك وبعينين شبه مطفأتين، أضفى جواً أسطورياً على صالة السينما، حيث روى ناصر الظاهري فيلمه من خلال ذاكرة البطل، التي ظهرت هي الأخرى حديدية مثل صاحبها. فقد استعاد تفاصيل ومواقف ومحطات مرّت عليه منذ عقود، فيها من التاريخ أشياء، وفيها من الإنسان أشياء أكثر.

كان ذلك في الفيلم الوثائقي «شمشون العرب» للزميل ناصر الظاهري، الذي شاهدناه مساء السبت ضمن نشاط مؤسسة العويس الثقافية. ولم يكن أكثر ما يستوقفنا فيه مشاهد القوة التي صنعت شهرة الرجل، بل حكاية الإنسان الذي عاش وراء تلك القوة. فبين الفتى الفقير الذي غادر دبي بحثاً عن رزقه، والرجل المسن الذي جاء ليشاهد حكايته على الشاشة، عمر كامل من الأحلام والمغامرات والتجارب التي لا بد أن تحملها حياة طويلة كهذه.

ولعل المشهد الأكثر تأثيراً لم يكن على الشاشة وحدها، بل كان في صالة العرض . هناك جلس شمشون العرب، الذي كانت الجماهير تتجمع ذات يوم لمشاهدة عضلاته وألعاب قوته، يشاهد الناس اليوم حكاية تلك القوة وقد أصبحت ماضياً. لم يعد الجسد يطاوع صاحبه كما في سنوات الشباب، لكن الرجل ظل حاضراً باسمه وذاكرته، كأن الزمن استطاع أن ينال من الجسد، ولم يستطع أن ينتزع منه الحكاية.

وهنا تكمن، في رأيي، القيمة الإنسانية لهذا الفيلم، وأهمية ما قام به ناصر الظاهري. فهو لم يذهب إلى شخصية صنعت تاريخاً سياسياً، أو قادت حرباً، أو تركت مؤلفات وأعمالاً فكرية، وإنما إلى رجل صنع شهرته بقوته الجسدية، وأصبح في زمنه بطلاً شعبياً تتناقل الصحف أخباره، وينتظر الناس ظهوره، ويتحدثون عن إنجازاته وربما يبالغون فيها، كما يفعل الناس دائماً مع أبطالهم المحبوبين.

فالتاريخ الذي نقرأه في الكتب ليس كل التاريخ. هناك تاريخ آخر يعيش في ذاكرة الناس، في حكاياتهم وصورهم وأغانيهم وملاعبهم وأسواقهم ومقاهيهم. تصنعه شخصيات قد لا تجد مكاناً في السجلات الرسمية، لكنها تحتل مكاناً واسعاً في وجدان أجيال عاصرتها. وحين ترحل هذه الشخصيات، يرحل معها شيء من زمنها، ما لم تمتد إليها يد تحفظ حكاياتها.

وليس ضرورياً أن تكون الشخصية الشعبية عظيمة بالمعايير التقليدية لكي تستحق التوثيق. يكفي أنها كانت جزءاً من حياة الناس، وأن قصتها تكشف لنا كيف عاشوا، وبماذا كانوا يحلمون، وكيف كانوا يصنعون أبطالهم قبل أن تأتي وسائل الإعلام الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي لتغيّر مفهوم الشهرة وطرق الوصول إليها.

وشمشون العرب مثال على ذلك. فقد جاب بلداناً عربية عديدة في زمن لم يكن السفر فيه بسهولة اليوم، وصنع لنفسه مكانة لدى جماهير مختلفة، جمعها الإعجاب برجل استطاع أن يحوّل قوته إلى مصدر رزق وشهرة. وفي سيرته أيضاً صورة من زمن عربي كانت فيه الصحافة والمهرجانات والاستعراضات الشعبية تصنع نجوماً لا تقل شهرتهم أحياناً عن نجوم الفن والرياضة.

لهذا نحتاج إلى مزيد من الأفلام الوثائقية التي تستعيد مثل هذه الشخصيات، لا لكي تمجّدها أو تحيطها بهالات البطولة، بل لكي تنصت إليها، وتتركها تروي ما عاشته، بحلوه ومرّه. فالتوثيق الحقيقي لا يصنع تماثيل من البشر، وإنما يعيد إليهم إنسانيتهم، ويمنح الأجيال اللاحقة فرصة للتعرف إلى زمن لم تعشه.

وما أحوجنا في الإمارات، وفي العالم العربي عموماً، إلى مثل هذا العمل، ونحن نرى أجيالاً عاشت مراحل التأسيس والتحول تتقدم في العمر، حاملة معها ذاكرة غنية بالتفاصيل التي لم تدخل الكتب. فكم من بحار وغواص وتاجر وفنان ورياضي وحكواتي يحمل في ذاكرته ما يستحق أن يُروى، قبل أن يختفي صوته إلى الأبد.

خرجت من مشاهدة «شمشون العرب» وأنا أفكر في تلك المسافة الطويلة بين فتى غادر دبي بحثاً عن عمل، ورجل عاد بعد عقود ليجلس أمام شاشة تعرض حياته. وبين الرحلتين، حكاية تستحق أن تُروى.

ولعل أجمل ما فعله ناصر الظاهري أنه أعاد إلى علي بن حسن اسمه الذي غاب طويلاً وراء «شمشون العرب». فقد كان البطل معروفاً للجميع، أما الإنسان الذي وراءه، فكان يحتاج إلى من يجلس إليه، ويصغي إلى حكايته.