من وفاء القصة إلى مغامرة الرواية.. الكاتب المغربي يتأمل تحولات السرد، وموقع المثقف
يظل الكاتب المغربي عبد الهادي الفحيلي وفياً للقصة القصيرة، بما تتيحه من تكثيف واقتصاد في اللغة ونفاذ إلى الهشاشة الإنسانية، لكنه يخوض أيضاً تجربة الرواية عبر «ليل بين شرفتين». وفي هذا الحوار مع “العرب”، يتأمل علاقته بالسرد، وتحولات المشهد الثقافي، وأسئلة الكتابة والمثقف ورسالة الفن اليوم.
يعد عبدالهادي الفحيلي من الأصوات الأدبية المتميزة التي اختارت القصة القصيرة مجالا للتعبير والاشتغال، وظل وفيا لهذا الفن الأدبي، بما يتيحه من تكثيف واقتصاد في اللغة وقدرة على التقاط التفاصيل والهواجس الإنسانية.
وبعد تجربة في كتابة القصة القصيرة، انتقل الفحيلي أخيرا إلى الرواية من خلال عمله «ليل بين شرفتين»، في تجربة تفتح أسئلة جديدة حول علاقته بالسرد، وحدود الانتقال من القصة إلى الرواية، وما الذي يمكن أن تضيفه الرواية إلى تجربته الإبداعية.
جمال الهشاشة ودهشة التفاصيل
يصف عبدالهادي الفحيلي القصة القصيرة بأنها «بصيص الضوء في نفق طويل معتم»، وزفرة تتلبس الفن الذي ينشغل بالذات في أقصى هشاشتها وحقيقتها. إنها، في تصوره، فن العزلة والاهتزازات الإنسانية، أشبه بالعشب الذي ينبت على ضفاف الأنهار، بينما ينصرف الاهتمام عادة إلى النهر نفسه. ومن هنا تنبع خصوصيتها بوصفها جنساً مخاتلاً يبدو بسيطاً، لكنه في العمق متمرد وصعلوك، يتطلب مزاجاً حاداً وحساسية استثنائية.
ولا يحتاج بناء الحكاية، في نظره، إلى حدث كبير أو فكرة مكتملة؛ فقد تكفي حركة عابرة أو التفاتة أو غمزة أو كلمة حقيقية لتفتح أفقاً للتخييل. فالتفاصيل التي يغفل عنها الناس تخفي شياطين صغيرة لا ينتبه إليها الجميع، قبل أن يكتشفوا أنها موجودة في صميم الحياة.
وتتيح القصة القصيرة استعادة الأشياء الهاربة والتشبث بما يثبت للإنسان أنه حي. فالكتابة، كما يرى الفحيلي، محاولة للإتيان بالحياة إلى اللغة، وإعادة تقديمها في كلمات تجعلها مرئية أمام القارئ، وربما تمنح الكاتب نفسه وسيلة للنجاة من مشقتها. وهو يبحث فيها عن المعاني المتشظية التي يمكن تجميعها لصناعة معنى أسمى، وعن ذاته التي عاشت طويلاً في الظل، وعن الطفل الذي كانه ولم يعش طفولته كما ينبغي.
القصة تركز على شخصية واحدة، تنظر إليها من زاوية محدودة، بينما تتيح الرواية مجالاً أرحب للتلاعب بالشخصيات
أما لغتها، فيريدها عارية وحقيقية وقلقة، بعيدة عن المساحيق الثقيلة، لغة تؤثر ولا تكتفي بعكس الأشياء. وينطلق مركز ثقلها، بحسب تصوره، من الأسفل إلى الأعلى، لأنها تنتصر للمهمشين والمقصيين، وتمنح شخصيات قلقة وهامشية، غالباً ما تكون عاجزة عن الفعل، فرصة للكشف عن هشاشتها ومواجهة قسوة الحياة.
ويكمن التحدي في توسيع الحيز الضيق حتى يستوعب عوالم تبدو محتاجة إلى مساحات شاسعة. فالقصة الناجحة تستطيع، عبر التكثيف والتقنيات الفنية، أن تجعل شجرة واحدة تبدو غابة كاملة، وأن تخلق في زمن محدود عالماً غنياً بالصراعات والدلالات. ويلخص الفحيلي هذه القدرة بصورة شعرية: «بحار تهدر في طشت صغير».
ولا يدعي الكاتب أنه راكم تجربة ضخمة في هذا الفن؛ فقد أصدر ثلاث مجموعات قصصية، ويعمل على رابعة، إلى جانب نصوص لم يحسم أمر نشرها. لكنه راكم، بحسب تعبيره، تجربة نفسية جعلته يؤمن بأن الكاتب لا يظل الشخص نفسه مع كل نص جديد. فالتقدم في الكتابة لا يعني بالضرورة أن الأعمال اللاحقة أفضل، بل إن الرؤية تتسع، وتدخل إلى اللغة أنفاس وتقنيات جديدة.
ويشير إلى اختلاف مجموعاته «شجرة الحكاية» و«مثل تفاحة مقضومة» و«دخان الملائكة»، موضحاً أنه اعتمد في المجموعة الأخيرة سارداً لا يتغير إلا بتغير الأحداث وأجواء السرد والتقنيات المستخدمة.
من شجرة القصة إلى غابة الرواية
لم يكن انتقال الفحيلي إلى الرواية، عبر عمله «ليل بين شرفتين»، الصادر عن دار خطوط وظلال، قطيعة مخططة مع القصة القصيرة. فقد بدأ المشروع كتاباً قصصياً تدور نصوصه حول متقاعد يكتشف بعد تقاعده أشياء لم يكن ينتبه إليها، بحيث تمثل كل قصة حالة نفسية من حالاته. ثم وجد أن النصوص قابلة للتحول إلى رواية، فرتق الفجوات بينها، لتصبح المسألة أقرب إلى اختيار شكل فني ملائم للمادة السردية.
ويمنح هذا الشكل الكاتب هامشاً أوسع للاستطراد والتشعيب وتشبيك الأحداث والشخصيات، خلافاً للقصة القصيرة التي تفرض التكثيف والاختزال وضبط الحدود. لذلك لم يشعر الفحيلي بأنه غادر عالم القصة أثناء كتابة روايته، إذ لا تزال بعض فصولها تحمل ملامح قصص قصيرة.
ويشدد على أن لكل جنس أدبي تقنياته وخصوصيته؛ فالقصة قد تركز على شخصية واحدة، تنظر إليها من زاوية محدودة، بينما تتيح الرواية مجالاً أرحب للتلاعب بالشخصيات والأحداث واستيعاب أجناس أدبية متعددة. ويلخص الفارق بينهما بالقول إن «القصة القصيرة شجرة لا غابة تؤويها، والرواية غابة»، لكنه يستدرك بأن الشجرة قد تكتفي بذاتها وتصبح غابة، بينما تتشكل الغابة من تشابك الأشجار وتجاورها.
أما عنوان الرواية، «ليل بين شرفتين»، فيحيل إلى عالم من الاضطراب والحيرة والعذاب، تتأرجح فيه الشخصية الرئيسية بين شرفتين، فيما يجسد الليل ورطة الوجود. ويتجاوز الليل دلالته الكونية ليصبح دهليزاً يعكس عبث الحياة وزيفها ومشقتها، ومساراً يجد الإنسان نفسه داخله من دون إرادة واضحة أو قدرة على الفكاك منه.
وعلى مستوى المشهد القصصي والروائي المغربي والعربي، يرفض الفحيلي قياس قيمة القصة القصيرة بمدى انتشار الرواية أو اتساع جمهورها. فلكل جنس أدبي محبوه، والقصة، بما تتميز به من تمرد واختلاف، قادرة على إطلاق صرخة قد تفوق في قوتها صرخات جوقة كاملة. كما يرى أن الإبداع العربي لا يزال بخير، في ظل صدور أعمال مهمة وظهور أسماء شابة تكتب نصوصاً متمردة تتجاوز السائد.
ولا يخشى الكاتب على الأدب من التحولات التكنولوجية والرقمنة بقدر ما يدعو إلى تحويلها إلى مادة للإبداع، محذراً من إصدار الأحكام انطلاقاً من أبراج عاجية، بعيداً عن فهم الزمن الجديد والأجيال التي تنتمي إليه.
الفن صرخة لا يجيدها غير الإنسان
وفي قراءته للمشهد الثقافي المغربي، يضع الفحيلي التحولات المحلية في سياق عالمي يتسم بانهيار الإيديولوجيات الكبرى وتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة. ويعتبر المثقف عنصراً جوهرياً في رصد هذه التحولات وفهمها ونقدها، رغم أن صوته لم يعد يصل إلى شرائح واسعة من المجتمع.
ويربط ذلك بتطور وسائل الإعلام والتواصل وسهولة استخدامها، إلى جانب نخبوية المثقفين وعدم تكتلهم في إطار اجتماعي واضح، فضلاً عن عوامل التضييق التي يرى أنها تؤثر في حضورهم. وهكذا يبدو المثقف معزولاً، في وقت تستقطب فيه المنصات الرقمية أعداداً هائلة من المتابعين، مقارنة بجمهور الخطاب الثقافي التقليدي.
ومع ذلك، لا يعتقد الفحيلي أن الكاتب غائب بالضرورة عن قضايا عصره، أو أنه مطالب بالنزول إلى الشارع ورفع الشعارات حتى يثبت انخراطه في المجتمع. فمهمته الأساسية أن يكتب نصاً جميلاً وجيداً، لأن الكتابة نفسها، في نظره، معارضة فنية وجمالية، ولا تنفصل عن القيم الإنسانية الكبرى، كالعدالة والسلام.
ويؤمن بأن رسالة الكاتب هي «أن يجمل القبيح كي لا نفقد إنسانيتنا»، وأن يكشف ما تبقى في الإنسان من خير، في مواجهة الشر المستشري. ولا يرى أن القصائد والقصص قادرة وحدها على إيقاف الظلم والفساد، فذلك يحتاج إلى قوة مادية، لكنه يؤكد أهمية القوة الرمزية والروحية التي يسهم الفن في بنائها.
وبالنسبة إليه، لا تتمثل رسالة الكتابة في تقديم أجوبة نهائية بقدر ما تتمثل في إثارة القلق وفتح الأسئلة والتنبيه إلى مكامن الجرح الإنساني. فالفن صرخة لا يجيدها غير الإنسان، وأفق آخر لما يختزنه من عمق وحساسية وقدرة على مقاومة القبح.




