سنواتُ عبد الوهاب البياتي في القاهرة

هناك آلافُ المقالات والدراسات وعشراتُ الكُتب ورسائل الماجستير والدكتوراه التي كُتبت حول تجربة عبد الوهاب البياتي الشعرية،وإذا كان محمود درويش ونزار قباني ونازك الملائكة وسواهم قد عاشوا سنواتٍ من حيواتهم في مصر فقد عاش البياتي ست سنواتٍ في القاهرة،لكنَّ هذه السنوات لم يعكُف أحدٌ من شهودِها على تسجيلها في كتابٍ خاص ،خصوصًا أنها من أخصبِ سنوات الشَّاعر حسبما قال في أكثر من موضعٍ.
لقد التقيتُ البياتي مراتٍ عديدةً في أكثر من مدينةٍ عربيةٍ لكنَّ المرات الأكثر كانت في العاصمة الأردنية عمَّان ،حيثُ كنتُ أراه يوميًّا في “جاليري الفينيق” خلال مدة زيارتي لعمَّان.
وكنتُ قبل لقائي به على معرفةٍ عميقةٍ بشعره خصوصًا الأعمال التي صدرت عن دار الشُّروق المصرية (والتي للأسف لم تُعِد طباعتها ثانيةً على الرغم من نفادها جميعًا)،وهنا محاولة مني ونحن نحتفي بمرور مئة عام على مولده ،للحديث عن سنوات الشَّاعر في مصر، حيثُ عاش الشَّاعر العراقي عبد الوهاب البياتي في مصر فتراتٍ زمنيةً ملهِمَةً ومتقطِّعة من حياته، لعل أبرزها وأكثرها غزارةً وإنتاجًا الفترة التي استقرت لسنوات (ووصفها في بعض حواراته بالسنوات الست أو امتدت لقرابة العقد في وجدانه)؛ حيث اعتبرها “أعوامًا مُباركةً حفلت بأفضل ما أنتجتُ”.

وتكمُنُ أبرزُ أسرار وملامح هذه السنوات الست (والفترة المصرية عمومًا) في تفاصيل إبداعية وسياسية عميقة شكَّلت وجدانه،حيثُ تدفَّق شعريًّا وغزُر نتاجه
ولم تكُن القاهرة مُجرَّد محطة منفى عابرة، بل كانت المنطلقَ الذي صاغ فيه عبد الوهاب البياتي نضجَهُ الشعريَّ والنقديَّ.
فقد كتب البياتي في مصر مجموعاتٍ شعريةً شكَّلت علاماتٍ فارقةً في الحداثة، مثل أعماله الشعرية: سِفْر الفقر والثورة، الذي يأتي ولا يأتي(1966)، الموتُ في الحياة(1968)، الكتابةُ على الطين (1970)، وقصائد حبٌّ على بوابات العالم السبع.

كما صاغ في أثنائها كتابه “تجربتي الشعرية”، وهو الكتاب الذي تناول فيه أسرارَ صناعته للقصيدة وتطويره لأسلوب “القناع الشعري”.
وقد عمل خلال سنواته في القاهرة محرِّرًا ثقافيًّا في جريدة “الجمهورية”،حين احتضنت مصر الشَّاعر المُلاحَق سياسيًّا والذي أُسقطت جنسيته العراقية لاحقًا، وقد وفَّر له هذا المنبرغطاءً رسميًّا وماديًّا مستقرا للعيش والكتابة بحريةٍ ،ونافذةً للتواصل مع المثقفين واللاجئين السياسيين العرب الذين اتخذوا من القاهرة عاصمةً لحركات التحرُّر في سنوات حكم جمال عبد الناصر.
وقد التقي البياتي في المقاهي الثقافية بالقاهرة وأزقتها القديمة، بأطيافٍ شتَّى من البشر ،أفاد منها في تجربته الشِّعرية.
كما شكّلت القاهرة للبياتي “صالونًا ثقافيًّا مفتوحًا”، حيثُ استطاع خلال هذه السنوات الست بناء علاقاتٍ عميقةٍ ومتشابكةٍ مع أقطاب الفكر والأدب بمصر، وعلى الرغم من الصراعات التقليدية بين جيل المحافظين وجيل الحداثة، نجح البياتي في فرض نفسه في الأوساط المصرية.

وكان قد انتقل للعيش في القاهرة بعد إسقاط الجنسية العراقية عنه عام 1963، ظلَّ فيها من عام 1964 حتى 1970، تفرَّغ خلالها للعمل الثقافي والشِّعْري، حيث حظي برعايةٍ رسميةٍ وكان ضيفًا شخصيًّا على الرئيس جمال عبد الناصر، وقد وصف البياتي هذه الفترة بأنها كانت “أعواما مباركة حفلت بأفضل ما أنتجت” .
وكنتُ أنا من الذين قرأوا نتاجه الشِّعري الذي ظهر مطبوعًا بشكلٍ جماليٍّ وإخراجيٍّ مختلفٍ عن دار الشروق المصرية في طبعاتٍ جديدةٍ،ومن هذه الدواوين” الذي يأتي ولا يأتي، قصائد حُب على بوابات العالم السبع،صوت السنوات الضوئية،الكتابة على الطين، وكلها صدرت عام 1985.
أما ” بستان عائشة” فقد صدرعام 1989.

إذن لم تكُن القاهرة في حياة عبد الوهاب البياتي (1926- 1999)،مدينةً عابرةً،وإنَّما كانت شيئًا أقربَ إلى استراحةٍ طويلةٍ في قلب المنفى، أو إلى بيتٍ فتح بابه لشاعرٍ لم يعُد له بيتٌ بالمعنى السياسي للكلمة.
جاء البياتي إلى القاهرة أكثر من مرةٍ، لكنَّ الإقامةَ التي صنعت فصلًا كاملًا في حياته كانت بين عامي 1964 و1970.
ستُ سنواتٍ تقريبًا عاشها في المدينة، بعد أن أسقطت عنه السلطات العراقية الجنسية سنة 1963، وبعد سنواتٍ من الترحال بين بغداد ودمشق وبيروت وموسكو التي كان دبلوماسيًّا في العاصمة الروسية ،حين عُيِّن مستشارًا ثقافيًّا في سفارة العراق سنة 1959، ثم استقال من منصبه عام 1961.
كان البياتي واحدًا من أولئك الشُّعراء الذين لم يستطيعوا أن يفصلوا حياتَهُم عن الشِّعْر؛ حيثُ كانت القصيدة عنده طريقةً في الإقامةِ حين تستحيلُ الإقامة.
وكانت العاصمةُ المصريةُ في حقبة الستينيات من القرن الماضي عاصمةً ثقافيةً عربيةً بحق،حيثُ الصُّحف والمجلات ودُور النشر والمقاهي والندوات، وكل ذلك كان يصنعُ شبكةً يوميةً من اللقاءات بين المصريين والعرب، ولذلك لم يكُن البياتي غريبًا تمامًا في القاهرة، حتى وهو يعيشُ غربته.
بل إنَّ بعضَ أهم دواوينه ارتبط بهذه المدينة.
ولم تكُن القاهرةُ بالنسبة إلى البياتي مكانًا يكتبُ فيه فقط، وإنَّما تصدرُ منه كتبُهُ أيضًا، وتواصل عبر ناشريها ومكتباتها طريقها إلى القراء.
ولعل في ذلك معنى أعمق؛ فالشَّاعر الذي عاش تجربةَ المنفى لم يكُن يبحثُ عن مدينةٍ يسكُنُ فيها بقدر ما كان يبحثُ عن ناشرٍ وقارئ وناقدٍ؛ والقاهرة بما كانت تملكه من صحافةٍ ومطابع ودُور نشر ومجلات، كانت واحدةً من المُدنِ العربيةِ القليلة القادرة على أن تمنحَ الشَّاعر هذه الأشياء مجتمعةً.
ومن هنا تبدو “دار الشروق” جُزءًا من جغرافيا البياتي المصرية، مثلما كان مقهى «ريش» والمكتبات والمجلات جزءًا من جغرافيته اليومية.
لكن ماذا رأى البياتي في القاهرة؟
ربَّما رأى فيها مدينةً تشبهُ القصيدة الحديثة، مزدحمة بالأصوات ومتناقضة، ولا تسلِّمُ سرَّها من اللقاء الأول.
ولم تكُن بالنسبة إلى شاعرٍ مثل البياتي الأهرام أو النيل وحدهما،وإنما المقاهي والكتب والوجوه والضجيج، والمثقفون الذين يجلسون إلى موائد صغيرة ويتحدثون عن مستقبل الشِّعْر كما لو أنهم يتحدثون عن مستقبل العالم، إنها شارع سليمان باشا (طلعت حرب)، ووسط البلد، وميدان التحرير، والمكتبات، وكُشك مدبولي(الذي صار بعد ذلك دارَ نشرٍ ومكتبةً شهيرةً)، والمجالس التي كان يمكنُ أن يجتمع فيها الشَّاعر والروائي والرسام والصحفي والسياسي في ليلة واحدة.
لقد عرفتُ البياتي أيضًا من خلال علاقته العميقة مع الشَّاعر والفنان التشكيلي والمترجم والصحفي أحمد مرسي ،حيثُ كانت صداقته بالبياتي أقدمَ من القاهرة، فقد التقى مرسي البياتي في بغداد خلال إقامته هناك بين 1955 و1957، ونشأت بينهما صداقةٌ وطيدةٌ، وكان لقاؤه بالبياتي أكثر من صداقةٍ شخصيةٍ؛ كان لقاءً بين فنين.
وترجمَا معًا أعمالا للشَّاعرين الفرنسيين بول إيلوار ولويس أراجون، وقد صدرت ترجمة بول إيلوار” مغني الحب والحرية” سنة 1957، ثم “أراجون شاعر المقاومة” سنة 1959، وكان هذا العمل جُزءًا من المشرُوع الثقافي الذي حمل إلى العربية أصواتًا أوروبيةً جديدةً، خصُوصًا أصوات السوريالية والمقاومة.
كان المنفى عند البياتي مكانًا يرافقُ الشاعر حتى لو استقر في أجمل المدن، وربَّما لهذا لم تصبح القاهرة وطنًا بديلًا له؛ وإنَّما بقيت مدينةً مضيافةً داخل وطن أكبر اسمه الشعر.
ستُ سنواتٍ ليست قليلةً في حياة شاعرٍ،فهي تكفي لكي يعرفَ المرءُ المدينة من داخلها.. مواعيد المقاهي، أصوات الشوارع، أصدقاء المساء، رائحة الكتب القديمة، وجُوه الباعة، أسماء الصُّحف، ومواعيد الندوات، وهي سنواتٌ تكفي لكي تتحولَ المدينةُ من عنوانٍ في السِّيرة إلى جزءٍ من الذاكرة ،لكنَّ البياتي لم يترك لنا القاهرة في صُورة السائح ،وإنَّما تركها في القصيدة ،وهذا هو الفارق بين شاعرٍ يزور مدينةً وآخر يسكنها ؛فالزائر يأخذُ صورًا،أما الشَّاعر فيحملُ جرحًا.
ولعل أجمل ما يمكنُ قوله عن البياتي في القاهرة أنه لم يجد فيها وطنًا، لكنه وجدَ جماعةً شعرية وثقافية جعلت غربته قابلة للحياة.
وربما لم تكُن القاهرة عند عبد الوهاب البياتي مدينةً للعيش بقدر ما كانت مدينةً لإعادة خَلْقِ الذات.