«الليالي البيضاء» تعود إلى القرّاء من بوابة «تيك توك»

بعد نحو قرنين على صدورها، عادت رواية «الليالي البيضاء» لفيودور دوستويفسكي إلى واجهة القراءة والمبيعات، مدفوعة بمقاطع قصيرة وتوصيات انتشرت عبر «تيك توك» و«إنستغرام»، وجدت فيها أجيال شابة تعبيراً قريباً عن الوحدة والحب غير المتبادل والقلق والاغتراب.

تروي الرواية القصيرة، التي نُشرت للمرة الأولى عام 1848، حكاية شاب حالم يعيش وحيداً في سان بطرسبرغ، قبل أن يلتقي ناستنكا، الفتاة التي تنتظر عودة حبيبها. وعلى امتداد أربع ليالٍ وصباح، ينتقل البطل من عالمه المتخيّل إلى تجربة عاطفية خاطفة تختبر المسافة بين الحلم والواقع.

وجدت هذه الحكاية القديمة صدى واسعاً لدى جيل يعيش مفارقة الاتصال الدائم عبر الشاشات مقابل تنامي الشعور بالعزلة. ولم يدخل كثير من القرّاء الشباب إلى عالم دوستويفسكي من بوابة المناهج أو الدراسات النقدية، بل عبر مقاطع تربط النص بأسئلتهم اليومية عن الحب والوحدة والهوية والحاجة إلى التواصل.

أسهمت خوارزميات المنصات الرقمية في إعادة تقديم الرواية بلغة بصرية وعاطفية سريعة؛ إذ انتشرت اقتباساتها مصحوبة بموسيقى هادئة وصور قاتمة ومشاهد مستوحاة من أجواء سان بطرسبرغ، فتحول الكاتب الروسي من اسم كلاسيكي بعيد إلى صوت يبدو قريباً من التجارب النفسية لجيل جديد.

ولا تقتصر الظاهرة على «الليالي البيضاء». فقد فتحت المنصات الطريق أمام أعمال كلاسيكية أخرى، مثل «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، و«المسخ» و«رسائل إلى ميلينا» لفرانز كافكا، و«الناقوس الزجاجي» لسيلفيا بلاث، و«1984» لجورج أورويل.

يجد القرّاء في هذه الأعمال صوراً مبكرة لأسئلة معاصرة؛ من ضغط العمل والإنتاج المتواصل إلى الخوف من ضياع الفرص، ومن المراقبة الرقمية إلى البحث عن المعنى وسط كثرة الخيارات. وهكذا لم تعد الكلاسيكيات تُقدَّم باعتبارها كتباً واجبة القراءة، بل نصوصاً يمكن الدخول إليها من خلال التجربة الشخصية.

انعكس الاهتمام الرقمي على سوق الكتاب بصورة واضحة. فقد أعلنت دار «إيديتورا 34» البرازيلية ارتفاع مبيعات نسختها من «الليالي البيضاء» بنسبة 463 في المائة على أساس سنوي، فيما سجلت مبيعات «الجريمة والعقاب» لديها نمواً بلغ 53 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026. ولا تثبت هذه الأرقام أن المنصات كانت العامل الوحيد، لكنها تتزامن مع اتساع حضور العمل على «بوك توك» وانتشاره في أسواق أخرى

وسبق أن أصبحت «الليالي البيضاء» أكثر كتب «بنجوين كلاسيكس» مبيعاً في بريطانيا خلال عام 2024، بعدما تجاوزت مبيعاتها 50 ألف نسخة، في مؤشر مبكر إلى قدرة المحتوى الرقمي على إعادة كتاب كلاسيكي إلى قوائم الأكثر رواجاً.

كما أنتجت الظاهرة نمطاً جديداً من المشاركة؛ فالقراء يعرضون نسخهم، ويشاركون الصفحات التي وضعوا عليها علامات، وينشرون انطباعاتهم وقراءاتهم البصرية، ليتحول الكتاب من تجربة فردية صامتة إلى مساحة للحوار وتكوين المجتمعات الرقمية.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول عمق هذه العلاقة: هل تمثل المقاطع القصيرة جسراً حقيقياً نحو الأدب، أم تختزل النصوص في اقتباسات قابلة للتداول؟ لكن عودة دوستويفسكي تؤكد أن المنصات المتهمة بإضعاف الانتباه قادرة، في مفارقة لافتة، على قيادة قرّائها نحو أعمال تتطلب التأمل وتفتح باباً أوسع لاكتشاف الأدب الكلاسيكي.