جوائز صغيرة وأثر كبير …خالد خليفة نموذجا

تلفتني في بعض الجوائز الأدبية قيمة لا علاقة مباشرة لها بحجم المبلغ الذي يحصل عليه الفائز. فهناك جوائز لا تمنح أصحابها ثروات، لكنها تمنحهم شيئاً قد يكون أكثر أهمية بالنسبة إلى الكاتب: الاعتراف، والانتشار، وفتح باب جديد أمام تجربته.

ولعل جائزة خالد خليفة للرواية، التي وصلت هذا العام إلى دورتها الثانية، مثال قريب على ذلك. فقد أُنشئت بمبادرة من أصدقاء الروائي السوري الراحل، تخليداً لاسمه وتشجيعاً للروائيين الذين يكتبون أعمالهم الأولى. والجائزة مخصصة للرواية الأولى، وتبلغ قيمتها ألف دولار، إلى جانب نشر الرواية الفائزة مع دار نشر معروفة. وفي دورتها الجديدة فازت رواية «المنصرمون» للتونسي عماد علي قيدة.

قد يبدو مبلغ ألف دولار متواضعاً إذا قورن ببعض الجوائز الأدبية الكبرى، لكن المسألة ليست في المبلغ وحده. فالكاتب الذي يكتب روايته الأولى لا يحتاج دائماً إلى جائزة مالية كبيرة بقدر حاجته إلى أن يجد من يقرأ عمله بجدية، ويمنحه فرصة للوصول إلى القراء. ولهذا تصبح الجائزة، في بعض الحالات، بداية لمسار أدبي وليس مجرد مكافأة على عمل أنجزه صاحبه.

الأهم في تجربة جائزة خالد خليفة أنها جاءت من أفراد عرفوا الكاتب عن قرب، وأرادوا أن يبقى اسمه حاضراً من خلال عمل ثقافي مستمر، لا من خلال احتفال خاطف بذكراه. ووفقاً للقائمين عليها، فإن الجائزة مستقلة وممولة من مؤسسيها، ولا تتلقى دعماً أو تتبع جهة رسمية. وهؤلاء الأصدقاء اجتمعوا  الأسبوع الماضي في كنيسة اللاتين باللاذقية ليمنحوا الفائز ما يستحق من تكريم وليتذكروا معاً اسم الروائي خالد خليفة، وهذا فعل من أفعال الوفاء والتقدير وفعل ثقافي كبير على بساطته.

وهنا تظهر أهمية المبادرات الفردية في الثقافة. فالثقافة لا تنمو فقط من خلال المؤسسات الكبيرة والموازنات الضخمة ، فهي أحياناً تبدأ من شخص يؤمن بفكرة، أو مجموعة صغيرة ترى أن عملاً ما يستحق أن يستمر، أو أن موهبة جديدة تستحق أن تُمنح فرصة.

التاريخ الأدبي يقدم نماذج كثيرة على ذلك. ومن أشهرها جائزة غونكور الفرنسية، التي ارتبطت باسم الأخوين إدمون وجول دو غونكور، ثم تحولت إلى مؤسسة أدبية ذات حضور عالمي. والمفارقة التي كثيراً ما تُذكر عنها أن الفائز يحصل رمزياً على عشرة يورو فقط. ومع ذلك فإن اسم غونكور نفسه أصبح ذا قيمة كبيرة في الحياة الأدبية الفرنسية، والجائزة تؤدي عملياً إلى انتشار واسع للرواية الفائزة وزيادة كبيرة في طبعاتها وترجماتها.

وهناك مثال آخر في الولايات المتحدة هو جائزة بن/فولكنر نسبة للروائي وليم فوكنر التي بدأت عام 1980 بمبادرة من الروائية ماري لي سيتل، التي أرادت إنشاء جائزة للرواية يحكم فيها الكتاب على أعمال الكتاب، بعيداً عن التأثير التجاري. ثم تحولت المبادرة إلى مؤسسة أدبية مستقلة غير ربحية، واستمرت لأكثر من أربعة عقود، لتصبح واحدة من الجوائز المعروفة في الأدب الأميركي. وفي عام 1988 أضيفت إليها جائزة تحمل اسم الكاتب برنارد مالامود للقصة القصيرة، وهي أيضاً جاءت في إطار الرغبة في دعم الأدب وتكريم المبدعين.

ومثال آخر يأتي من جائزة نيشتات الدولية للأدب، التي تأسست عام 1969 في الولايات المتحدة ايضا ثم قامت عائلة نيشتات عام 1972 بإنشاء وقف يضمن استمرارها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت الجائزة، التي تمنح كل عامين، واحدة من الجوائز الدولية المعروفة، وقد فاز بها كتاب من قارات وثقافات مختلفة، من بينهم غابرييل غارسيا ماركيز وأوكتافيو باث وإسماعيل كاداري. واليوم تبلغ قيمة الجائزة خمسين ألف دولار، لكن ما يلفت النظر في قصتها هو أن مبادرة عائلية خاصة ساعدت على ضمان استمرارها جيلاً بعد جيل.

هذه الأمثلة وغيرها ،  على اختلافها، تقول شيئاً واحداً: المبادرة الثقافية لا تبدأ بالضرورة من مؤسسة كبيرة. قد تبدأ من كاتب، أو عائلة، أو أصدقاء، ثم تجد من يؤمن بها ويضمن استمرارها. وما يمنحها قيمتها في النهاية ليس حجم المال وحده، وإنما الاستقلال والمعايير والثقة التي تبنيها مع الزمن.

لا يعني هذا أن كل جائزة صغيرة ستصبح غونكور جديدة، ولا أن قلة المال دليل على النزاهة. قيمة أي جائزة تتوقف في النهاية على استقلالها، ومعاييرها، وطريقة اختيار المحكمين، وثقة الوسط الثقافي بها. لكن تجربة غونكور تذكرنا بأن القيمة الأدبية لا يمكن اختزالها في قيمة الشيك.

وهذا ما يجعل الحديث عن جائزة خالد خليفة مناسباً أيضاً للحديث عن صاحب الاسم نفسه.

فخالد خليفة لم يكن مجرد روائي سوري ترك عدداً من الكتب ثم رحل. كانت تجربته جزءاً من التحولات التي عرفتها الرواية العربية في العقود الأخيرة، وخصوصاً في قدرتها على الاقتراب من مناطق الخوف والقمع والتفكك الاجتماعي والحياة اليومية تحت ضغط السلطة والتاريخ.

وصلت روايته «في مديح الكراهية» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008، ثم وصلت روايته «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» إلى القائمة القصيرة للجائزة نفسها عام 2014. كما ترجمت أعماله إلى لغات عدة.

لكن أهمية خالد خليفة لا تحتاج إلى وضعه في منافسة مع أسماء سورية أو عربية أخرى. الأدب ليس سباقاً يمكن فيه تحديد الأول والثاني والثالث. لكل كاتب تجربته وأسئلته ومكانه في ذاكرة القراءة. وما يميز تجربة خالد خليفة أن رواياته حاولت أن ترى الإنسان داخل التاريخ لا أن تكتفي برواية التاريخ نفسه.

في «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، مثلاً، تتحول حكاية عائلة سورية إلى صورة أوسع للخوف والتفكك، بينما تناول في «مديح الكراهية» تجربة القمع من أكثر من جهة. وهذا الانشغال بالإنسان، وبما تفعله السياسة والتاريخ في حياته الخاصة، هو أحد العناصر التي منحت تجربته حضورها خارج حدود سورية أيضاً.

ولذلك تبدو جائزة تحمل اسمه، وتذهب إلى كاتب في بداية الطريق، امتداداً منطقياً لفكرة مهمة في تجربته. فالكاتب الذي وصل إلى مكانته الأدبية لم يبدأ من هناك. كان عليه أن يجد قارئاً، وناشراً، ومن يؤمن بموهبته، وربما من يمنحه فرصة لم يكن يملكها وحده.

في النهاية، لا تحتاج الثقافة دائماً إلى مشاريع ضخمة كي تترك أثراً. قد تبدأ الفكرة من شخص واحد، ثم تجد من يحملها معه. وقد تكون الجائزة متواضعة من الناحية المالية، لكنها كبيرة في معناها إذا منحت كاتباً جديداً فرصة لأن يُقرأ.

ربما لهذا تستحق المبادرات الفردية في الثقافة اهتماماً أكبر. ، فهي لا تنافس المؤسسات، ولا تحل محلها، لكنها تفتح مساحات قد لا تصل إليها المؤسسات دائماً. وما يبقى في الثقافة ليس مقدار المال الذي دُفع، بل ما إذا كانت المبادرة قد ساعدت على ظهور كاتب جديد، أو حفظت اسماً من النسيان، أو منحت عملاً أدبياً فرصة لأن يصل إلى القارئ ويعيش أطول من صاحبه.

هذه اللوحة بريشة هبة عبد الرزاق ابنة شقيقة خالد خليفة معلقة على جدار مقهى( قهوة مزبوطة) بحي الشعلان بدمشق، حيث كان خالد يمضي وقته في الكتابة على طاولة في زاوية المقهى.