في الذكرى 18 لغيابه.. صدور كتاب محمود درويش في آثار الدارسين

في كتاب جديد صدر عن دار الخليج للدراسات والنشر بعنوان «محمود درويش في آثار الدارسين» للناقد إبراهيم خليل في 176 ص تتقاسمها عشرون فصلا سبع عشرة دراسة منشورة أولاها للناقد الراحل رجاء النقاش. وهي بعنوان محمود درويش شاعر الأرض المحتلة 1969. وقد توقف النقَّاش فيه إزاء النقاط الجوهرية في شعر محمود درويش مسلطا عليها الضوء كاشفا عن أن درويش بشعره أسس لما يعرف بأدب القوة، نابذا الاتجاه السائد الذي كثر فيه الحديث عن النكبة، وعن اللجوء والتشرد والمخيم . وتبعا لذلك وضعته هذه السمة في الموقع الذي يشغله في الشعر العالمي، علاوة على العربي، إلى جانب أراغون، وبول إيلوار، ومايكوفسكي، ويفتيشنكو، وناظم حكمت، والتشيلي بابلو نيرودا، والإسباني فدريكو غارثيا لوركا.

واستوقفت المؤلف دراسة محمد شاهين لقصيدة مشهورة في ديوانه أحد عشر كوكبا 1992 وهي بعنوان «فرس للغريب» كان قد أهداها لشاعر عراقي، واستخدم فيها الأساطير من بابلية وسومرية وبعض الشخصيات التاريخية أو شبه التاريخية. موضِّحًا ما في شعر درويش من مزايا لا تتوافر في شعر وليم بتلر ييتس Yeats . فشعر ييتس لا ينبذ الكراهية كشعر محمود درويش، والمثال على ذلك شعره في ريتا، وفي الجندي الذي يحلم بالزنابق البيض. وقد دافع د. خليل عن درويش، مبيّنًا ما في دراسة عادل الأسطة(جدل الشعر والسياسة) 2013 من تجنٍّ عليه لسبب غير شعري وإنما لأسباب سياسية، آخذا عليه استبدال كلمة بأخرى، جاعلا من ذلك دليلا على موقف سياسي متذبذب، متقلب. وهذا ما كان قد دعا لنبذه الراحل محمد شاهين الذي يولي الأهمية للموقف الشعري ويقدّمه على الموقف السياسي، مُؤكدًا أن الحديث عن درويش بوصفه سياسيًا استخفاف به، وتقليل من منزلته، من حيث هو شاعرٌ لا سياسي. وجاء رد آخرُ على غير تواطؤ ولا اتفاق من د. شكري عزيز الماضي الذي يدور كتابه «شعر محمود درويش إيديولجية الشعر، لا إيديولوجية السياسة» 2013 حول هذه المغالطة، أي: دراسة الشاعر، وكأنه زعيم سياسي، لا شاعر. فقد خَرج من دراسته بنتيجة وهي أن درويش ينبغي ألا يُدرس مثلما تُدرس الإيديولوجيا، بل مثلما يدرس الشعر بصفته فنا، وإنْ تضمَّن ظلالا، وإيحاءاتٍ سياسية، لا أكثر. فمحمود درويش في رأيه ارتقى بالشعر لمستوى يعلو على المستوى الإيديولوجي السياسي.

وممن أنصف درويشًا سهيل الفتياني2022 بتناوله آراءه في الشعر، فجمعها، وناقشها، ونشرها، مبينا قيمتها النقدية في كتاب صدر عن دار ابن الجوزي بعمّان بدعم من وزارة الثقافة، وتناوله مؤلفنا تحت عنوان درويش ناقدا. أما صلاح فضل، فقد توقف لدى شعر محمود درويش وقفة منصفة، في أساليب الشعرية المعاصرة 2008، مؤكدا ما في شعره من  ائتلاف لفظي يسمح بتراسل الحواس؛ فما ينبغي له أن يُرى يتحول لمسموع، وما ينبغي له أن يسمع يتحول إلى مرئي، ولهذه اللغة شبه السريالية جذورها الممتدة في سديم العربية، وهو امتداد يحتاج لمتلقٍ خاصٍّ لا لمتلق ٍعادي.

أما على جعفر العلاق، الفائز بجائزة النيل، فقد توقف في «الشعر والتلقي» 1997 لدى بنية القناع في شعره، موضحًا أثر هذه البنية لا سيما في أحد عشر كوكبا1992 في التعبير عن رؤية الشاعر تعبيرًا غير مباشر، فيكون الشعر أكثر جمالا، وتأثيرًا في القارئ. وفي كتابهِ «من نص الأسطورة إلى أسطورة النص» 2010 يقف بنا إزاء ظاهرة لافتة للأنظار، قلما نجدها في الأشعار، وهي كبح جماح التدافع الإيقاعي. وهذه الظاهرة أتاحت لشعره أن يكون شعرًا ونثرًا في الوقتِ نفسه، مذكرًا بمقولة أبي حيان: «خير الكلام ما كان في نظم كأنه نثر، أو نثر كأنه نظم».

ومن الباحثين الذين سَعَوْا لإنصاف درويش وشعره، إبراهيم السعافين في كتابه الضَخْم الصادر عن دار الشروق «تحولات الرؤية.. تحولات اللغة» 2018 فقد عرض التحولات متسامحا في المصطلح إذ لم يفرق بين الرؤية والرؤيا مما يُضفى على تحولات القصيدة ذات الرؤيا ضبابية ناتجة عن هذا التسامُح. أما ناصر علي، فقد أراد أن يسبر غور درويش شاعرًا بالحديث عن بنية القصيدة في كتابه «بنية القصيدة في شعر محمود درويش» 2002 عبر مراحل رأى في الأولى المتقدمة زمنيا بِنْية غنائية، وفي التالية بنية درامية، يكثر فيها الحوار كقصيدة جندي يحلم بالزنابق البيض. وفي الثالثة طغى على قصيدته البناء الملحمي، وفي الرابعة تجاورت هذه الأنماط في بعض القصائد. واللافت أن المؤلف لديه مشكلة في المصطلح، فالغنائي عنده هو الذي يهتم فيه الشاعر بالوزن وبالقوافي والنَغَم، مع أن هذا متوافر في قصائده التي وصفها بالدرامية والملحمية والمركبة من هذه الأنماط. ومن الأخطاء التي وقع فيها – ما تكرر في حديثه عن التناصّ من الخلط بين مفهوم التناصّ لدى التفكيكيين، والاقتباس، أو التضمين، لدى البلاغيين، شأنه في هذا شأن حسين حمزة في « مراوغة النص» 2001 علاوة على أنه بعد أن استوفى ما ذكره في البنية الغنائية في الفصل الأول، عاد في الفصل الأخير ليتحدث عن الموسيقى والوزن والقافية، وما ساد هذا الشعر من تجارب إيقاعية، ووزنية، كنظم ما يشبه الموشح، والشعر ذي الشطرين، وتكرار الأبنية، والأصوات، والحروف، لإيجاد مناخ متناغم في القصيدة يستولي على القارئ.  

ومن بين السبعة عشر كتابا ومصنفا شذ كتاب بسام قطوس الموسوم بعنوان «محمود درويش على تخوم الفلسفة» (2022) فالمؤلف (قطوس) يؤكد في الكتاب ألا فرق بين الفلسفة، والشعر، وأن الشعر ممارسة أسلوبية. وأورد أمثلة من شعر الراحل، ظنا منه أنها تشهد على صحة ما يقوله بشأن الفلسفة في شعره، لكن الشواهد تؤكد أن الشعر، من حيث هو تخييل، وتعبير حدسي، لا مفهومي، بلغة مواربة، مجازية، يكثر فيها الانزياح الأسلوبي، فن لا يتوافق مع نظرة الفلسفة التي تتوخى الدقة الدلالية في التعبير، ومطابقة الكلام للواقع، ولدوافع الفيلسوف المشغول بالبحث عن الحقيقة، ونشدانها، لا عن الأقاويل المتخيَّلة، والكاذبة.

ومن بين الدراسات التي حاول مؤلفوها إنصاف الشاعر، وشعره، تلك التي اهتمت بما يسمى التناصّ، وقد اتضح أن حسين حمزة في «مراوغة النص» 2001 وخالد الجبر في «تحولات التناص» 2004 وحتى ناصر علي في بنية القصيدة 2002، يخلطون – أولا – بينه، وبين الاقتباس تارة، والتضمين تارة أخرى، والتأثر بشاعر آخر قديم، أو حديث. وغالى بعضهم فجعل من التناص شيئا فضفاضًا ينتهى بتتبعه إلى أن كلّ ما في الشعر تناص. فإذا ورد قول الشاعر: وأبي قال مرة، توقف الجبر، قائلا: أبي هنا إشارة ليعقوب والد النبي يوسف. وإذا قال درويش: «غض طرفا عن القمر» زعم الجبر أنه يشير لقوله تعالى (والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) ومن المنزلقات التي وقعت فيها صفاء المهداوي ما جاء في كتابها «الأنا» 2013 عن موقف الأنا من الآخر، فقد جعلت من ملاك الموت آخر، ومن الفلسطينيين المنتمين لفصائل متباينة كل منهم آخر. وهذا ما وقع فيه عبد الله رضوان صاحب «الأنا والآخر في شعر محمود درويش» 2012 الذي يعلق على قول درويش: أحنُّ إلى خبز أمي، وقهوة أمي، زاعما أن الأم هنا هي الآخر. وإذا ورد في شعره « كنت أعرف رائحة التبغ حول عباءة جدي» زعم أن الجد – ها هنا – هو الآخر.

ومن هذا العرض للكتاب يتضح لنا أنه كتاب في «نقد النقد» تطبيقا لا تنظيرا، وتقويما لا تفسيرًا.

جريدة الدستور الاردنية