رحل في الثالث من أغسطس الجاري الفيلسوف والمؤرخ البريطاني أنتوني كيني عن 95 عاماً، بعد مسيرة فكرية وأكاديمية طويلة جعلته واحداً من أبرز مؤرخي الفلسفة في بريطانيا، ومرجعاً في دراسات أرسطو وتوما الأكويني وديكارت وفيتغنشتاين، إلى جانب إسهاماته في فلسفة العقل والدين والفعل والأخلاق.
بدأ كيني مسيرته الفكرية من دراسة اللاهوت، قبل أن يغادر الحياة الكنسية عام 1963، وهو العام الذي صدر فيه كتابه «الفعل والانفعال والإرادة»، الذي تناول فيه طبيعة الفعل الإنساني والانفعالات، والعلاقة بين الفعل ووصفه والحكم الأخلاقي المترتب عليه. ومنذ تلك المرحلة، أخذ مشروعه يتسع ليجمع بين البحث الفلسفي وقراءة تاريخ الأفكار.
وشكّلت أعمال الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين جانباً مهماً من اهتمامات كيني؛ فأصدر عام 1973 كتاباً حمل اسم «فيتغنشتاين»، وأولى عناية خاصة لتحولات مشروعه الفلسفي ونظرته إلى اللغة. كما انشغل بأرسطو وأخلاقياته، وقدم ترجمة لـ«الأخلاق الأوديمية»، إلى جانب ترجمة «فن الشعر» عام 2013.
ولم تقتصر اهتمامات كيني على تاريخ الفلسفة، بل امتدت إلى قضايا أخلاقية معاصرة، من أبرزها الردع النووي. ففي كتابه «منطق الردع» الصادر عام 1985، ناقش المعضلة الأخلاقية التي تنشأ عندما يعتمد الردع على التهديد باستخدام قوة قد يكون استخدامها في الأصل غير جائز أخلاقياً، متسائلاً عن مشروعية التهديد بفعل لا يمكن تبرير تنفيذه أخلاقياً.
وعلى امتداد مسيرته، ألّف كيني عشرات الكتب، ومن أشهر أعماله «فيتغنشتاين»، و«تاريخ أكسفورد للفلسفة الغربية»، و«ما أؤمن به»، و«تاريخ جديد للفلسفة الغربية». كما تولى مواقع أكاديمية وثقافية بارزة، من بينها رئاسة كلية باليول في جامعة أكسفورد، ورئاسة الأكاديمية البريطانية، ورئاسة مجلس المكتبة البريطانية، إضافة إلى عمله نائباً لرئيس جامعة أكسفورد.
ترك أنتوني كيني مشروعاً فكرياً واسعاً جمع بين وضوح الكتابة وعمق البحث، وتعامل مع تاريخ الفلسفة لا باعتباره سجلاً لأفكار الماضي، بل مجالاً مفتوحاً لإعادة قراءة الأسئلة التي ما زالت تواجه الإنسان؛ من طبيعة الفعل والإرادة إلى الدين والأخلاق وحدود القوة.
المصدر : العربي الجديد






