المسرح العربي.. تحديات العصر وآفاق التعاون المشترك

تحديات متنوعة يواجهها المسرح العربي، لا سيما في ظل انتشار المنصات الرقمية التي يرى البعض أنها قد تكون مفيدة إلى حد ما في انتشار العرض المسرحي، بينما يرى آخرون أنها تهدد مكانة وجمهور «أبو الفنون».

 

وبناء على ذلك، يبرز سؤال أكبر: كيف يمكن النظر إلى مستقبل المسرح العربي، وإمكانية بناء شراكات وتبادل خبرات عربية تثري المشهد المسرحي وتسهم في تطويره؟
وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب والناقد أحمد خميس الحكيم، في حديث خاص لـ «البيان»، أنه قبل الحديث عن كيفية حفاظ المسرح على مكانته في زمن المنصات الرقمية، فلا بد أولاً من القول إن من يراجع تاريخ المسرح في العالم، سيجد أنه مرّ بكثير من الأزمات والمنعطفات التي كانت تهدد مستقبله، وهناك من ظن بالفعل أن المسرح قد مات، ولن يكون له وجود في المستقبل، ولكنه قاوم واستمر.
ويتابع: «كانت أكبر وأهم أزمة هددت وجود المسرح في العالم ظهور السينما، ولكنه – ولسحره الخاص وكفاءته المغايرة، والتي تعتمد بداية على حميمية اللقاء الحي بين المؤدي والمتلقي- استمر المسرح وطور من نفسه، واستثمر كل جديد، وأدمجه بطرق تناسب العصر».

 

أما عن كيفية حفاظ المسرح على مكانته في زمن المنصات الرقمية، فيجيب الحكيم بأن تلك المنصات يمتاز صناع محتواها بالسرعة والتقاط القضية الراهنة، وتقديمها أو الإدلاء بالرأي فيها بطرق مختلفة، ما بين التناول الواقعي أو الكوميدي المتهكم، أو حتى الأداءات الفاقعة والبذيئة، والتي تراهن على المحتوى المتطرف، ومن ثم يحققون مشاهدات عالية تدر عليهم الأموال.

ويضيف الحكيم: «إن المسرح فن راسخ وعنده أساليبه وجمالياته الفائقة، وينتظر جمهوراً مغايراً قد يهتم بالترند للحظة، لكنه مقدر لقيمة العرض المسرحي وأدواره الترفيهية والفكرية المختلفة، ومن ثم لن تسحب تلك المنصات وما تقدمه من محتوى البساط من تحت المسرح، مهما فعلت ومهما قدم صناعها».

وتطرق الحكيم إلى التحديات التي تواجه المسرح المصري اليوم من الإنتاج والجمهور، إلى النصوص الجديدة، ويقول: «حقيقة ما يواجه المسرح المصري اليوم من تحديات كثير، يأتي في مقدمها الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المجتمع، إلى جانب تقلص عدد المسارح في القاهرة، والتي كان آخرها غلق مسرح «فاطمة رشدي»، الذي كان يحوي مسرحين، أحدهما لفرقة المسرح الكوميدي وآخر لفرقة مسرح الشباب».
ويردف الحكيم: «هناك عروض خاصة بتكلفة إنتاجية متوسطة، بدأت في طرح نفسها في السوق، وذلك أمر يبعث على السرور، فتلك الأعمال تعني أن السوق في المستقبل القريب تنتشر فيه العديد من العروض المتنافسة، والتي تسعى لجذب جمهور متنوع».
وبسؤاله عن مستقبل المسرح العربي وإمكانية بناء شراكات وتبادل خبرات لتطوير المسرح، يقول الحكيم: «مسألة بناء الشراكات المسرحية العربية تحتاج لوعي فارق وقدرات استثنائية، وأدمغة تعي تماماً معنى الشراكة ومتطلباتها وحدودها الإدارية والجمالية.

وبحث جاد في ما يحتاجه السوق المسرحي العربي المختلف من بلد لبلد». ويضيف: «إن الإمارات العربية المتحدة أثرت المشهد المسرحي العربي، عبر ما تقدمه من مهرجانات ومبادرات.

حققت الكثير من النجاحات، ومنها ما يقدمه مشكوراً صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، من مبادرات داعمة للمسرح والمواهب العربية، مثل مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، ومهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي، وأيام الشارقة المسرحية، وغيرها من الفعاليات التي تجذب العديد من المسرحيين العرب للتلاقي وتبادل الخبرة والمعرفة».

حالة خاصة

من جهته، يؤكد الناقد المسرحي جرجس شكري لـ «البيان»، أنه – رغم أهمية السؤال عن مكانة المسرح في زمن المنصات الرقمية وضرورته الآن، إلا أن التطور التكنولوجي، والتحولات الاجتماعية والسياسية متغيرات تحدث دائماً وباستمرار، ومن الطبيعي أن يتعامل المسرحيون مع هذه المتغيرات، وفقاً لمقتضيات اللحظة الراهنة.

ويضيف أن المسرح هو فن الآن، فن الحاضر، يقدم أفعال أشخاص على أنها تجري الآن، وليس في الماضي، مثل كل أنواع السرد، وهذه الآنية تجعل من المسرح حالة خاصة، وتفاعل المشاهد واشتباكه مع العرض المسرحي حالة نادرة، لن يؤثر فيها طغيان المنصات الرقمية أو توحش التكنولوجيا، بشرط قدرة المسرحيين على التعامل مع هذه المعطيات، بحيث تكون في خدمة المسرح، وليس عائقاً.

أما التحديات التي تواجه المسرح اليوم في الإنتاج والجمهور والنصوص الجديدة، فهي تحديات لازمت المسرح المصري منذ نشأته، وعبر مراحل تطوره على مدى أكثر من قرن ونصف، وهذه التحديات– والكلام لشكري- تتغير وتتبدل وفقاً لمتغيرات اللحظة الراهنة.
ويردف: «لن نبالغ إذ قلنا إن يعقوب صنوع وجيل الرواد في مصر والعالم العربي، واجهوا نفس التحديات، وفقاً للحظة التاريخية التي عاشها هؤلاء، فالمسرح العربي منذ نشأته وهو عرضة للأزمات، والحديث عن الأزمة والمسرح حديث قديم. ففي كل حقبة ثمة أزمات يتجاوزها المسرحيون».
وفي ما يتعلق بمستقبل المسرح العربي، وتبادل الخبرات عربياً، يقول: «أتمنى أن يتجاوز هذا التعاون مجرد المشاركات في المهرجانات والندوات، إلى العمل المشترك، من خلال الاحتكاك وتبادل الخبرات من خلال الإنتاج المشترك».