يبدو أننا دخلنا مرحلة فيضان السرد بعد أن اُختبرنا ومررنا بتجارب من فيضان الشعر.
لم تكن كلها مغامرة تلك التي عرفناها في العقود الثلاثة الماضية، على أقل تقدير، تتعلق بارتكاب الشعر، وهو ارتكاب وصل إلى السذاجة والاستسهال، وليس ارتكاباً نبيلاً فيه من القيمة والمعنى والتجريب المسؤول ما يشفع له ولمرتكبيه. يمكن أن نطلق عليه هروباً من الفراغ إلى الفوضى التي تعمّق الفوضى التي يعيشها العرب في زمن امتهن التقسيم والتجزئة. «شعر» لا يعبّر في مجمله عن صميم الحالة والارتهان إلى واقع أكثر من بائس، وإن اقترب من تلك الحالة وذلك الواقع فلا يتعدّى سطحها وقشرتها.
ومع ثورة الإعلام الجديد وهجرة معظم سكّان العالم إلى منصات التواصل الاجتماعي اتضح الفيضان الذي نحن بصدده. وكأن الشعر ثرثرة منفردة لا تعني أحداً ولا مستقبِل لها. أخذت تلك المنصات دور الترويج للتهريج والثرثرة، وبلغة تبحث عن نفسها وسط هذا الركام من الكلام السطحي والمرتهن في بعض حالاته للذكاء الاصطناعي، لندخل ومنذ ثلاثة عقود تقريباً مرحلة فيضان السرد، ولأن منصات التواصل الاجتماعي لا تستطيع احتواء بث ونشر ذلك الفيضان بحكم محدودية الخيارات فيها، أخذت دور النشر الباحثة عن الربح السريع دورها في الترويج لهذا السرد الفارغ في محتواه، النادر في القيمة الغني بالتفاهة والفراغ إلا ما ندر. وكأن هذه الأمة التي أبدعت برجالاتها من شعراء وروائيين، عقمت ولم تعد تباهي إلا بالنزر اليسير من الأصوات المبدعة المتناثرة في جهات العرب الأربع.
وما كان لاستسهال ارتكاب الفنين في صورهما الركيكة والفارغة أن يعمّ ويتغلغل لولا افتقاد أقسام الرقابة على النشر في الجهات الرسمية المسؤولة لمتخصصين وأصحاب ذائقة واعية يحُولون دون تفشّي هذا الوباء الذي استشرى واطمأن متسبّبوه على رواج بضاعتهم.
وعلينا ألّا ننسى الدور الذي تلعبه معارض الكتب في الترويج عن كل ما «يطلبه الشارع» وإقبال جمهور ولد في عصر ما بعد السرعة على تلك الوجبات من الكلام الركيك في هيئة روايات أو مجموعات شعرية.
يضاف إلى ذلك، أن الأصوات النقدية الرصينة والجادة لم تقم بدورها في وضع حد لذلك الفيضان الجارف، بتشريح وفضح ركاكة وسذاجة واستسهال الإقدام على الفنّين دون دراية ودون معرفة بأوّلياتها وشروطها والإمكانات التي من المفترض أن يتمتع بها المُقدِم على نشر سرده أو شعره.
قد يفهم بعضهم هذا الطرح على أنه حجر على محاولات مواهب هذا العصر، مع إغفال أن منافذ تخريب الذائقة وتدمير الوعي متعددة، ومن أخطرها ترك هذه الظاهرة تستشري وتتمدّد دون ترشيد أو تقنين.







