على مدى أكثر من أربعة عقود، ظلّ الدكتور سعد الدين فارس كليب منشغلاً بالسؤال الجمالي وما يفتحه من آفاق لقراءة الأدب والفكر والتراث، متنقلاً بين قاعات التدريس وفضاءات البحث والتأليف، ومكرّساً مشروعه العلمي لاستكشاف تحولات الأدب العربي الحديث ومفاهيم الحداثة والنقد.
ومن خلال مؤلفاته ودراساته وإشرافه على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، رسّخ كليب حضوره بين النقاد والأكاديميين السوريين، وأسهم في تأصيل الدرس الجمالي العربي وإغناء المكتبة العربية بأبحاث قاربت النصوص الإبداعية والفكرية برؤية تجمع بين المعرفة النقدية والعمق الفلسفي.
من الأدب الحديث إلى المشروع الجمالي
في حوار مع سانا الثقافية، تحدث الدكتور كليب عن مسيرته الأكاديمية، ومشروعه النقدي، وواقع البحث العلمي، ومستقبل الدراسات الأدبية في عصر الثورة الرقمية.

ويوضح كليب أن اختياره الأدب العربي الحديث تخصصاً جاء بدافع شغف مبكر، إذ تمسك بدراسة الأدب الحديث وحده عندما تقدم إلى الدراسات العليا في جامعة حلب، رغم نصائح أساتذته بإضافة خيارات أخرى، ويقول: “كان الأدب الحديث هواي الوحيد في الجامعة والمشهد الثقافي، ثم اتسع هذا الشغف ليشمل الفكر وعلم الجمال والتراث العربي، حتى أصبح المشروع الجمالي محور عملي العلمي كله”.
ويشير إلى أن رسالة الماجستير التي أعدها حول “الأسطورة والرمز في الشعر السوري المعاصر” كانت بداية تكوينه البحثي، بينما شكلت أطروحته للدكتوراه “القيم الجمالية في الشعر العربي الحديث” نقطة تحوله نحو الدراسات الجمالية، التي يرى أنها كانت من أوائل الدراسات المتخصصة في هذا الحقل داخل الجامعات السورية والعربية.
النقد يبدأ من النص لا من المنهج
حول العلاقة بين المناهج النقدية الحديثة وخصوصية النص العربي، يؤكد كليب أن المشكلة ليست في المناهج ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها، ويقول: “المنهج وسيلة لقراءة النص، وليس غاية بحد ذاته، والخطأ يقع عندما يتحول إلى مسطرة جامدة تُقاس بها النصوص، فيصبح الناقد تابعاً للمنهج بدلاً من أن يكون منحازاً إلى جماليات النص”.
ويرى أن المناهج الحديثة يمكن توظيفها في قراءة النصوص العربية القديمة والحديثة متى امتلك الباحث الوعي الكافي بخصوصية النص وسياقه الثقافي.
النقد العربي بحاجة إلى مشروع مستقل
عن واقع النقد الأدبي العربي، يلفت كليب إلى أن كثيراً من الدراسات النقدية لا تزال تدور في فلك النظريات الغربية، رغم وجود أسماء عربية أسهمت في بناء وعي نقدي أصيل.
ويضيف: “نحتاج إلى حركة نقدية تمتلك مشروعها الفكري، فلا تكون مجرد صدى للنقد الغربي، ولا مجرد إعادة إنتاج للنص الأدبي، بل تصبح قوة فاعلة في تطوير الأدب والثقافة”.
التراث العربي ما زال ينتظر قراءات جديدة
يضع الدكتور كليب إعادة قراءة التراث العربي من منظور جمالي في صلب مشروعه العلمي، مشيراً إلى أن انشغاله بهذا المجال بدأ أثناء إعداد أطروحته للدكتوراه، إثر ملاحظته ندرة الدراسات المعنية بالفكر الجمالي العربي الإسلامي.
ويقول: “تراثنا لا يزال ينتظر من يقرؤه بمناهج علمية حديثة، سواء من منظور علم الجمال أو علم الاجتماع أو علم النفس، وهذه القراءات تحيي التراث وتوسع آفاق الثقافة العربية المعاصرة”.
وقد تُوج هذا التوجه بعدد من مؤلفاته، أبرزها “البنية الجمالية في الفكر العربي الإسلامي”، و”العربية وفلسفة الجمال”، و”تراثنا والجمال”، التي شكلت محطات مهمة في الدراسات الجمالية العربية.
إصلاح الجامعة مدخل لبناء الدولة
في حديثه عن واقع الدراسات العليا، يرى كليب أن الجامعات السورية عانت سنوات طويلة من تراجع البحث العلمي، نتيجة تراكم عوامل عديدة.
ويؤكد أن إعادة بناء الجامعة ضرورة وطنية، قائلاً: “إذا أردنا بناء سوريا الجديدة على أسس علمية وثقافية وقانونية، فلا بد من إعادة النظر في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، لأن الجامعة هي الرافعة الحقيقية للدولة الحديثة”.
الحسّ الشعري في الكتابة النقدية
رغم حضوره النقدي المعروف، يحتفظ الدكتور كليب بتجربة شعرية بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويرى أن هذه التجربة منحته قدرة مختلفة على قراءة النصوص.
ويقول: “الكتابة الشعرية علمتني كيف يولد النص، وكيف يُقرأ جمالياً، ولذلك لا يغيب الحس الشعري عن كتاباتي النقدية والبحثية”، مؤكداً أن تأثير الشعر والفنون لا يقاس بنتائج مباشرة أو آنية، بل بقدرتها على بناء الوعي الجمالي والثقافي على المدى البعيد.
الذكاء الاصطناعي شريك لا بديل
حول مستقبل الدراسات الأدبية في ظل الثورة الرقمية، يصف الدكتور كليب الذكاء الاصطناعي بأنه فرصة كبيرة أمام الباحثين، لكنه يحذر من تحويله إلى بديل عن التفكير والبحث.
ويقول: “الإفادة من الذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورة بحثية، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول إلى بديل عن الباحث، فوظيفته المساعدة في الإنجاز، لا القيام بالبحث نيابة عن الإنسان”، ويشير في هذا الصدد إلى أن بعض الطلبة باتوا يعتمدون عليه بصورة كاملة في إعداد البحوث، وهو ما يهدد أصالة البحث العلمي ويضعف مهارات التفكير والتحليل.
مسيرة أكاديمية حافلة
ولد الدكتور سعد الدين فارس كليب في مدينة حماة عام 1957، وحصل على الإجازة في اللغة العربية من جامعة حلب، ثم الماجستير والدكتوراه في الأدب العربي الحديث، وعمل أستاذاً للأدب الحديث وعلم الجمال، وتولى رئاسة قسم اللغة العربية في جامعة حلب لعدة دورات، كما درّس في جامعات سورية وسعودية، وأشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، وشارك في لجان علمية وأكاديمية عربية.
أصدر أكثر من 17 كتاباً في النقد الأدبي وعلم الجمال والفكر العربي، إلى جانب 4 مجموعات شعرية وعشرات البحوث المحكمة، وأسهم في تطوير مناهج الأدب العربي وترسيخ الدراسات الجمالية وتخريج أجيال من الباحثين والنقاد داخل سوريا وخارجها.







