«وجوه المنفى… دروب الوطن».. سيرة تتأمل في الهوية

12
إصدار جديد يحوّل التجربة الشخصية إلى تأمل ثقافي في أسئلة الانتماء واللغة والمواطنة، ويواصل مشروعًا سرديًا يستكشف تحولات الإنسان في أدب الهجرة

 يواصل الروائي والكاتب السوري الكردي هيثم حسين ترسيخ مشروعه في كتابة السيرة الذاتية من خلال كتابه الجديد “وجوه المنفى… دروب الوطن”، الصادر عن منشورات رامينا، وهو عمل لا يكتفي بتوثيق رحلة اللجوء والاستقرار في بريطانيا، بل يحوّلها إلى مساحة للتأمل في الأسئلة التي تطرحها الهجرة على الإنسان المعاصر، وفي مقدمتها الهوية والانتماء والذاكرة واللغة.

ويأتي الكتاب بوصفه الحلقة الرابعة في المشروع السيري الذي بدأه حسين قبل نحو عشرة أعوام، بعد “قد لا يبقى أحد” و«العنصري في غربته» و«هكذا عشت الجحيم»، حيث ينتقل من تسجيل الوقائع الشخصية إلى بناء رؤية فكرية تجعل من التجربة الفردية نافذة لفهم التحولات الإنسانية التي يعيشها الملايين ممن أعادتهم الهجرة إلى مساءلة علاقتهم بالوطن وبأنفسهم.

ومنذ الصفحات الأولى، عبر الفصل الافتتاحي “بداية التحول البطيء”، يضع الكاتب القارئ أمام رحلة تبدأ بوصوله إلى بريطانيا وتنتهي بالحصول على جنسيتها، غير أن الحدث القانوني لا يشكل ذروة السرد بقدر ما يفتح الباب أمام تحولات أعمق مست الوعي واللغة ونظرة الإنسان إلى ذاته. فالمنفى، في هذا العمل، ليس انتقالًا من جغرافيا إلى أخرى، وإنما انتقال في معنى الوجود نفسه، حيث يصبح كل لقاء إنساني، وكل علاقة جديدة، جزءًا من إعادة تشكيل الهوية.

ويمنح حسين للوجوه التي صادفها خلال رحلته مساحة مركزية داخل الكتاب. فالمعلمون والأكاديميون والكتّاب والأصدقاء والجيران، إلى جانب شخصيات عامة ومسؤولين، لا يظهرون بوصفهم شخصيات عابرة، بل يتحولون إلى مفاتيح لفهم المجتمع البريطاني، وإلى علامات تكشف كيف تُبنى الثقة والانتماء داخل مجتمع جديد، وكيف يستطيع الإنسان أن يصنع وطنًا إنسانيًا من خلال العلاقات قبل الأمكنة.

ولا يتوقف الكتاب عند حدود السيرة الشخصية، بل ينفتح على أسئلة فكرية وثقافية تتجاوز التجربة الفردية. فهو يناقش مفهوم الهوية في المجتمعات متعددة الثقافات، والفرق بين المواطنة بوصفها وضعًا قانونيًا والانتماء بوصفه شعورًا وجدانيًا، كما يتأمل دور اللغة في إعادة تشكيل الذات، والكتابة باعتبارها فعلًا للمقاومة وحفظ الذاكرة وإعادة بناء التوازن الداخلي بعد سنوات من الاقتلاع.

وتبرز في العمل رؤية ترى أن المنفى ليس نقيض الوطن، بل تجربة تكشف معناه بصورة مختلفة. فالوطن لا يحضر باعتباره مكانًا مفقودًا فقط، وإنما بوصفه ذاكرة حية ترافق الإنسان أينما ذهب، فيما يصبح المكان الجديد فضاءً لاكتشاف الذات وإعادة تعريف العلاقة بالعالم، بعيدًا عن الثنائيات التقليدية التي تفصل بين الداخل والخارج أو بين الوطن والمنفى.

ومن هذه الزاوية، يقترب الكتاب من أدب الهجرة المعاصر، الذي لم يعد يكتفي بسرد معاناة اللجوء، بل ينشغل بتحليل التحولات الثقافية والنفسية التي ترافق الانتقال بين المجتمعات، وبكيفية إعادة بناء الذات في فضاء متعدد الهويات. لذلك تبدو السيرة هنا أقرب إلى نص مفتوح على التأمل الفلسفي، حيث تتجاور الحكاية مع السؤال، وتتداخل الذاكرة مع المستقبل.

كما يمنح حسين للكتابة مكانة خاصة داخل هذا المسار، فهي ليست مجرد وسيلة لتسجيل التجربة، بل أداة لفهمها وإعادة ترتيبها، ومحاولة لتحويل الفوضى الداخلية إلى معنى. ومن خلال هذا التصور، تصبح السيرة فعلًا معرفيًا بقدر ما هي استعادة للماضي، ويغدو السرد وسيلة للمصالحة مع الذات أكثر منه مجرد توثيق للأحداث.

ويحمل “وجوه المنفى… دروب الوطن” رؤية إنسانية ترى أن الهوية ليست معطى ثابتًا، بل بناءً متجددًا يتشكل مع كل تجربة، وأن الوطن لا يُختزل في الحدود الجغرافية، بل يتجسد أيضًا في اللغة والذاكرة والعلاقات الإنسانية. وهي رؤية تمنح الكتاب بعدًا يتجاوز خصوصية تجربة مؤلفه، ليصبح مساهمة في النقاش الثقافي حول المنفى والانتماء في عالم تتزايد فيه الهجرات وتتشابك فيه الهويات.

ويقع الكتاب في 196 صفحة من القطع المتوسط، وصدر بلوحة غلاف للفنان التشكيلي الكردي السوري خضر عبدالكريم.

ويُعد هيثم حسين، المولود في مدينة عامودا السورية عام 1978 والمقيم في لندن، من أبرز الأصوات العربية التي كرّست جانبًا مهمًا من مشروعها الأدبي لاستكشاف قضايا المنفى والهوية. وهو عضو جمعية المؤلفين في بريطانيا، ومؤسس ومدير موقع «الرواية نت»، وقد تُرجمت أعماله إلى عدة لغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والتشيكية والكردية والفارسية، إلى جانب مشاركاته في مهرجانات وملتقيات أدبية دولية.
صحيفة العرب