الكتاب التراثي.. ذاكرة وطن تبحث عن من يحملها

كلما دخلت مكتبة وطنية، أو وقفت أمام رف يضم كتباً عن الإمارات، أشعر أنني أقترب من حياة أجيال كاملة، تركت لنا شيئاً من أصواتها وذكرياتها وتجاربها.

فبعض الشعوب تحفظ تاريخها في الحجارة، وبعضها تحفظه في الصور، أما نحن فقد حفظنا جانباً كبيراً من ذاكرتنا في الروايات الشفاهية والقصائد والحكايات والعادات والتقاليد التي انتقلت من جيل إلى جيل حتى وصلت إلينا.

ولهذا ظل الكتاب التراثي بالنسبة لي أكثر من مشروع ثقافي أو عمل بحثي، إنه محاولة دائمة للإمساك بتفاصيل الحياة قبل أن تبتعد، وحفظ الأسئلة والأجوبة التي شكلت وجدان المجتمع الإماراتي عبر عقود طويلة..

فكل عادة موثقة، وكل قصة تُكتب، وكل ممارسة تراثية تسجل، تضيف لبنة جديدة في بناء الذاكرة الوطنية، التي تستحق أن تبقى حية ومتاحة للأجيال القادمة.

وخلال مسيرتي في البحث والكتابة والعمل في مجال التراث الثقافي، أدركت أن حماية التراث تمر قطعاً عبر الكتاب والدراسة والبحث العلمي الرصين.. فالكتاب الجاد يمنح التراث فرصة البقاء، ويمنحه القدرة على الانتقال من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الوطنية الجامعة.
لقد تشرفت خلال السنوات الماضية بالمساهمة في عدد من الدراسات والمؤلفات التي تناولت جوانب متعددة وعميقة في التراث الإماراتي، كما تشرفتُ برئاسة اللجنة الفنية لخبراء التراث الثقافي غير المادي في وزارة الثقافة، والعمل مع نخبة من الباحثين والخبراء على بناء السجل الوطني للتراث.

وخلال هذه التجربة رأيت حجم الجهد الذي يبذله الباحثون في سبيل توثيق عنصر تراثي واحد، أو جمع رواية شفاهية أو مراجعة مصدر تاريخي نادر، سنوات طويلة من العمل، قد تختبئ أحياناً خلف صفحات قليلة يقرأها القارئ في ساعات معدودة.. ومن هنا تبرز أهمية السؤال الذي أراه ملحاً اليوم: «كيف ندعم الباحث التراثي والكتاب التراثي في المرحلة المقبلة؟».

إن كثيراً من الباحثين يعملون بدافع الشغف والانتماء والمسؤولية الوطنية، لكن الشغف وحده لا يكفي دائماً لإنتاج المعرفة واستدامتها، فالبحث الميداني يحتاج إلى وقت، والسفر يحتاج إلى تمويل، والوثائق تحتاج إلى جمع وتحقيق، والكتاب يحتاج إلى مراجعة وإخراج ونشر وتوزيع.. وكل حلقة من هذه الحلقات تشكل جزءاً أساسياً من رحلة طويلة، لا يراها القارئ عادة.
خلال العام الماضي، انتهيتُ من إعداد كتاب كامل حول فلسفة التراث، وهو موضوع شغلني لسنوات طويلة، لأنه يتناول الأسئلة الكبرى المرتبطة بمعنى التراث ودوره في تشكيل الهوية وعلاقته بالمستقبل، وعندما أنهيت هذا العمل، أدركت من جديد أن التحدي لا يكمن في إنجاز الكتاب فقط.

بل أيضاً في إيجاد المسار الذي ينقله إلى القارئ، ويمنحه فرصة الحياة والتأثير، وهي النشر وتمويل النشر ودعم الكتاب ليصل إلى القارئ، فواجهت صعوبة كبرى، وهذه ليست حالة فردية، بل تجربة يعرفها كثير من الباحثين الذين أنجزوا أعمالاً علمية قيمة، وما زالت تنتظر الدعم والتبنّي والنشر.

ولهذا أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى منظومة متكاملة لدعم المعرفة التراثية، نحتاج إلى صناديق بحثية متخصصة، تمنح الباحثين القدرة على التفرغ والعمل الميداني، ونحتاج إلى شراكات أقوى مع الجامعات الوطنية، لتشجيع الدراسات العليا في مجالات التراث، ونحتاج إلى مبادرات أوسع لرقمنة الوثائق والمخطوطات والروايات الشفاهية، حتى تصبح في متناول الباحثين والمهتمين.
كما نحتاج إلى دعم أكبر لدور النشر التي تتبنى الكتب التراثية، وإلى برامج ترجمة تنقل المعرفة الإماراتية إلى اللغات العالمية، وإلى جوائز متخصصة، تكرم الباحثين والمؤلفين الذين يكرسون سنوات من حياتهم لخدمة هذا المجال.. فكل كتاب تراثي جاد، يمثل استثماراً طويل الأمد في الهوية الوطنية، وفي القوة الناعمة للدولة.
ولا يقل أهمية عن ذلك كله، إيصال هذه المعرفة إلى الأجيال الجديدة، فالدراسة التي تبقى حبيسة الرفوف، تخسر جزءاً من رسالتها، أما حين تتحول إلى مادة تعليمية، أو فيلم وثائقي، أو منصة رقمية، أو قصة مبسطة للأطفال، فإنها تبدأ حياة جديدة، وتصل إلى شرائح أوسع من المجتمع.
لقد علمتنا قيادتنا الرشيدة الحكيمة، أن بناء المستقبل يبدأ من معرفة الذات، وأن الأمم الواثقة من جذورها، هي الأقدر على التقدم بثبات، ومن هنا، فإن دعم الكتاب التراثي هو قضية وطنية تتعلق بحفظ الذاكرة، وصون الهوية، وتعزيز الانتماء، وترسيخ صورة الإمارات في وجدان أبنائها وفي ذاكرة العالم..

فالتراث الإماراتي، والحمد لله، يواصل حضوره الساطع في الحاضر، ويشارك في تشكيل مستقبلنا ومستقبل أولادنا وأحفادنا، وأن كل كتاب يوثق جزءاً من هذا التراث، يضيف صفحة جديدة إلى قصة وطن يستحق أن تُروى حكايته للأجيال القادمة بكل ما تحمله من قيم وإنجازات وتجارب إنسانية ملهمة.