كلَّما أطلَّ ضيفٌ جديدٌ على مجلس الحضارة الإنسانية ليأخذ مكانه،أزاح بهدوءٍ خِصالاً إنسانية وحلَّ محلَّها. وبقدر سعادة الإنسانبمزايا هذا الضيف، فإنه، دون أن يشعر، يتحمَّل تكاليف باهظةجرَّاء تخلِّيه عن شيء من وصله الإنساني الدافئ، ولا سيَّما الأسريمنه، بمعناه القريب والبعيد معاً.
الإسكتلندي “ألكسندر غراهام بيل –Alexander Graham” (1847–1922)، صاحب أول براءة اختراع للهاتف عام 1876،“رفض أن يكون له هاتف في مكتبه“. إذ استشعر الرجل، في حينه،ما قد يأخذه اختراعه من وصله المباشر مع أهله وأصدقائه، ومنالمؤكد أنه لم يكن يدور في خَلَده ما سيفعله الهاتف النقال لاحقاً، ذلك الجهاز الذي اخترعه المهندس الأمريكي “مارتن كوبر-Martin Cooper“، عام 1973، حين كان مديراً عاماً لمشاريع الأنظمة فيشركة “موتورولا-Motorola“ وغيّرَ وجه العلاقات الإنسانية علىكوكبنا، رأساً على عقب.
صحيح أن الراديو أسكت البعضَ في المجالس وأسعد البعضالآخر، وصحيح أن التلفزيون، حين ظهر للمرة الأولى، جمع أفرادالأسرة في صمتٍ حميم حول شاشته. لكن الهاتف النقال يذهباليوم أبعد من ذلك كلِّه في فعله المدمِّر؛ إذ ينشأ الطفل وهو غريبٌ عنأساسيات الوصل الإنساني، ويترعرع جاهلاً بأبسط قواعد العلاقاتالبشرية بينه وبين أبناء جنسه.
أطفال اليوم الذين يفتحون أعينهم على الدنيا والهاتف النقال قابعٌقرب مخدَّاتهم، وبعضهم لم يتجاوز الثالثة من عمره، تهرع إليهمأمهاتهم بالهاتف أو ب “الآيباد” بُغية إسكاتهم أو إلهائهم، هؤلاءيمثِّلون جيلاً مختلفاً تماماً في فكره ووعيه ومسلكه الإنساني. جيلٌلم يُمنح فرصة أن يكون إنساناً طبيعيًا
أهمُّ ما يجب أن يُربَّى الطفل عليه هو الوصل الإنساني، ذلك أن وعيهوإدراكه للبيئة المحيطة به يتفتَّح منذ عمر الشهرين تقريباً، حين يبدأفي التمييز بين الأصوات والألوان والروائح. وبقدر ما تُقدِّم له بيئتهالأسرية من دفء إنساني مباشر، يبدأ بالرضاعة الطبيعية، ويمرُّباهتمام الأم البيولوجية لا المربِّية، وبحمله وهدهدته واللعب معه،وبأصوات أمه وأبيه وإخوته من حوله، بقدر ما تتشكَّل البذرة الأولىلوعيه، تلك البذرة التي ستتحكَّم لاحقاً في سلوكه وعلاقاته طوالحياته.
أسوأ ما يصنعه الهاتف النقال بالطفل هو أنه يُدمِّر علاقته بالآخر؛بأسرته وأقربائه وزملائه. إنه يُبعده عن
اللغة، فيحرمه واحدة من أعمق المتع الإنسانية: “متعة الكلام“، متعةأن تُخاطب إنساناً وتسمع منه. والطفل المُدمن على الهاتف لا يتحوَّلإلى كائن منعزل يعيش في فقاعته الخاصة فحسب، بل يفقد الأدواتالأولية التي تجعله قادراً على أن يحبَّ ويُحَب، أن ينتمي ويُنتمىإليه.
إن أيَّ أمٍّ، صغيرةً كانت أو كبيرة، حين تدفع بطفلها الصغير نحوعلاقة إدمان مع الهاتف أو الآيباد، ولأيِّ سببٍ كان، إنما تغترف ذنباًمُزلزِلاً في حقِّه؛ كونها تُخرجه من دائرة التعامل الإنساني السوي،وتضعه وجهاً لوجه أمام علاقة مريضة مع الآلة. وهذه العلاقة وحدهاستُلازمه طوال حياته، وقد تكون السبب المباشر في شقائه وضياعه.
أشارت صحيفة “الغارديان –The Guardian“ في عددها الصادريوم الثلاثاء الموافق 21 أبريل 2026، إلى أن الحكومة البريطانيةتعتزم فرض حظر على استخدام الهواتف المحمولة في مدارسإنجلترا، ضمن خطط جديدة تندرج تحت ما وصفته بـ “تشريعحاسم لحماية الأطفال”.
نعم، فلذات أكبادنا أحوج ما يكونون إلى تشريع يصون طفولتهم،ويُعيدهم إلى جادة العيش الإنساني السليم. وإذا كانت الحكومةالبريطانية قد بدأت تتحرَّك في هذا الاتجاه، فإن مَن يجب أن يتحرَّكقبلها هي “الأسرة“، وفي قلب الأسرة: “الأم“.
أيَّتها الأم، أتوسَّل إليكِ: أبعدي طفلك عن الهاتف النقال. أعيديه إلىصوتك، إلى حضنك، إلى عينيك. فأنتِ بذلك لا تحمينه فحسب، بلتمنحينه أثمن هدية يمكن أن يتلقَّاها إنسانٌ في هذا العالم: “أنيتعلّم كيف يكون إنساناً.”







