سيمونا بونورا لـ”العرب”: محفوظ وجبران سافرا بي إلى فكر وروح العالم العربي

الكاتبة والصحفية الإيطالية تعتبر الفن والأدب أقوى الأسلحة لكسر جدران المجهول.

الكثير من الأدباء قدموا تجارب صحفية لافتة، كان رهانها أوسع من نقل الأخبار أو إبداء الآراء، إلى التأسيس لحوار ثقافي، كما فعلت الكاتبة والصحفية الإيطالية سيمونا بونورا. “العرب” كان لها هذا الحوار مع بونورا للحديث عن تجربتها بين الأدب والصحافة، ورؤيتها لقضايا الحرية والتعليم والتبادل الثقافي بين إيطاليا والعالم العربي.

تخرجت سيمونا بونورا في الأدب الحديث والموسيقى والترفيه والاتصال الجماهيري من جامعة نابولي فيديريكو الثاني، وحصلت على شهادة دراسات عليا في إدارة مشاريع الفعاليات الثقافية. هي صحفية محترفة تشغل حاليًا منصب نائب رئيس اللجنة الثقافية في جمعية صحفيي كامبانيا. وسيصدر لها قريبًا كتاب في النقد الأدبي وتحليل النصوص وتأثيرها على مر الزمن.

 بمناسبة الذكرى السبعمئة لوفاة دانتي، شاركت في كتاب تعاوني بعنوان “دانتي بعد سبعمئة عام” بمقال يحمل عنوان “الكوميديا الإلهية قبل دانتي وبعده”. ونشرت مقتطفا من أطروحتها للماجستير في المجلة الثقافية “الإثنو – أنثروبولوجية والاجتماعية” بعنوان “ألبرتو مورافيا وأفريقيا”. كما نشرت العديد من القصص القصيرة في الصحف والمجلات الإيطالية. ونظمت بونورا عددا من الفعاليات الثقافية وتديرها. كما أنشأت برنامجا إذاعيا، قدّمته أيضا، بعنوان “أسطورة… تأملات”، حيثُ سبرت من خلاله أغوار القارئ في كلّ منا. وهي تعمل أيضا في الصحافة المطبوعة، والتلفزيون، حيثُ قدّمت برامج إخبارية وبرامج معمّقة، وفي الإذاعة، إضافة إلى كونها ناقدة أدبية ومسرحية.

الصحافة والأدب

تسألها “العرب” كيف كانت بداياتها؟ وهل كانت القصة أولًا أم الكتابة الصحفية؟ فتجيبنا “أكاد أقول إنني بدأت الكتابة قبل القراءة. نعم، الكتابة شغفي. بدأتُ بكتابة القصص القصيرة والمسرحيات القصيرة في صغري. ثم اكتشفتُ الصحافة وعشقتها”.

وعن هامش الحرية في الصحافة الإيطالية، تقر بأن حرية الصحافة في إيطاليا مكفولة بموجب الدستور، لكن هامشها الحقيقي غالبًا ما يعتمد على المواضيع التي يتم تغطيتها. تقول “هناك تعددية في الأصوات، لكن استقلالية الصحفي غالبًا ما يجب أن تحسب حسابًا للخطوط التي تمليها خصائص التحرير أو مجموعات السلطة الكبيرة. إنها حرية موجودة، ولكن يجب الدفاع عنها باستمرار ضد الضغوط الخارجية”.

لكسر الصورة النمطية عن العرب، علينا أن نظهر الواقع العربي الإيجابي الذي لا يظهر عادة في الأخبار

وتضيف “هناك اليوم مواضيع ‘ساخنة’ يفضّل الكثيرون تجنبها. في الآونة الأخيرة، على المرء أن يكون أكثر حذرًا بشأن ما يكتبه وكيف يكتبه: منذ بضع سنوات حتى الآن، أصبح فأس الدعوى القضائية يخيّم على العديد من الصحفيين. وغالبًا ما يقرر الصحفي عدم تناول مواضيع معينة من أجل ‘السكوت’، لأنه ليس بمقدور الجميع تحمّل المتابعات الطويلة والمرهقة، سواء من الناحية الاقتصادية أو النفسية. وأصبح هذا النوع من الضغط الاقتصادي هو الحد الحقيقي لحرية الإعلام”.

أمّا عن تأثير قراءاتها الأدبية في تجربتها الصحفية، فتعتقد بونورا أن القراءة هي غذاء أساسي لأي شخص. بالإضافة إلى ذلك، وكما قال إميليو سالغاري “القراءة مثل السفر دون أمتعة”: يمكنك الذهاب إلى أي مكان دون أن تنفق أي شيء. ولكنها تضيف “إنها ليست مجرد رحلة، بل هي وسيلة لإثراء الذات ثقافيًا، فالقراءة هي الحياة: إنها الدخول إلى عوالم بعيدة، وقصص جميلة. الانغماس في الثقافات المختلفة وتذوق عقليتها”.

وتواصل “لهذا السبب أحب قراءة الكتّاب الإيطاليين والعالميين. على سبيل المثال، كانت القراءة لكتّاب مثل نجيب محفوظ (خاصة نظرته النقدية في مقهى الكرنك) أو شعر خليل جبران أمرًا ممتعًا. هذه القراءات لم تغنِ لغتي فحسب، بل سمحت لي بأن تتجاوز تجربتي الصحفية إلى ما هو أبعد من الأحكام، وسمحت لي ‘بالسفر’ إلى فكر وروح العالم العربي حتى قبل الكتابة عنه”.

تسألها “العرب” كيف يساهم التعليم في حماية المجتمع من التطرف الديني والفكري؟ فتجيبنا “لطالما كنتُ مقتنعة بشيء واحد: المعرفة تجعلنا أحرارًا لأنها توفر لنا التفكير النقدي والشخصي. فالمعرفة هي وسيلة دفاع ضد أي محاولة للتلاعب النفسي أو الإكراه، فمن يعرف يصعب خداعه أكثر. وبالتالي، فإن التعليم ليس مجرد نقل للمفاهيم، بل هو الحصن الأول لبناء طريقة تفكير مرنة وتنمية التفكير النقدي: تعليم الشباب تحليل المصادر، مما يجعلهم أقل عرضة للروايات المبسطة أو المتلاعبة. كما تتيح الفرص الاقتصادية، إذ يوفر التركيز على مهارات المستقبل للشباب بديلا ملموسا وإحساسا بالانتماء لنمو أمتهم”.

أما عن القضايا التي تصل إليهم من الإعلام العربي حول الفكر والاقتصاد والتربية العربية، فتقول “بفضل العولمة، أصبح الوصول إلى الأخبار أكثر سهولة في الوقت الحاضر، على الرغم من أنه من الضروري النظر في المرشّحات التي غالبًا ما تشترط المعلومات. هذا التبادل يتيح حوارًا بين الثقافات أعتبره أساسيًا. أقرأ باهتمام مشاريع مثل ‘رؤية السعودية 2030’، وهي خطة طموحة تهدف إلى تنويع الاقتصاد من خلال التركيز على التكنولوجيا والسياحة والطاقة المتجددة. وهي تُظهر رغبة في الانتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد الابتكار. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكثر تعقيدًا هو التغيير الثقافي الذي يجب أن يتطور نحو تقاسم كامل للحقوق والواجبات”.

التأسيس للحوار

إيطاليا والبلدان العربية تشترك في تراث يمتد لآلاف السنين، من التاريخ إلى العمارة ومن العلوم إلى المطبخ

نسألها هل ترى أن تبادل الأنشطة الثقافية والفنية بين إيطاليا والبلدان العربية أمر مهم؟ وهل هناك مشاريع تقترحها على بعض المؤسسات والجهات العاملة في هذا المجال؟ فتجيب “تشترك إيطاليا والبلدان العربية في تراث يمتد لآلاف السنين من التاريخ إلى العمارة، ومن العلوم إلى المطبخ”.

وتضيف “دعونا لا ننسى أن الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس المولود في لبدة هو الإمبراطور الذي أسس سلالة سيفيران، ولم يكن الوحيد؛ فشخصيات مثل غورديان الأول وغورديان الثاني وماكرينوس تظهر أن قيادة من شمال أفريقيا قادت الإمبراطورية الرومانية خلال واحدة من أقسى أزماتها. التكامل، إذن، ليس مفهومًا جديدًا. نحن أبناء تبادل كان موجودًا على الدوام، وما علينا اليوم سوى تكريم هذا الإرث الطبيعي بمشاريع مشتركة جديدة”.

وتتابع “إن الفن والثقافة، في رأيي، هما أهم قناة للحوار والتبادل والنمو، ويمكن للشباب أن يكونوا القوة الدافعة. يمكن أن يحدث ذلك من خلال الجامعات والمؤسسات، ولكن أيضًا من خلال الفعاليات التي تجمع بين مختلف الحقائق والعقليات. لا ينبغي التقليل من شأن قوة الوسائل الرقمية والأفلام، التي لها لغة مباشرة وعابرة. يمكن للمرء، على سبيل المثال، إنشاء ‘صندوق للإنتاج السينمائي المتوسطي المشترك’، لرواية القصص والمجتمعات التي تخاطب شباب اليوم، متجاوزة الحواجز القديمة”.

أما عن كيفية كسر الصورة النمطية المنتشرة عن العرب، وهي أنهم متطرفون دينيًا ولا يعرفون إلا القتل والتعامل مع الآخر المختلف عنهم بالعنف، فتقر بونورا بأنه مثل أي حكم مسبق، هذا أمر مؤلم وغير عادل، وغالبًا ما يكون نابعًا من الجهل أو من السرد الإعلامي الذي يركز على الصراع فقط. مضيفة “أنا، على سبيل المثال، من نابولي، وغالبًا ما أواجه قصصًا تركز فقط على الجوانب السلبية لمدينتي وشعبي، دون أخذ بقية الجوانب في الاعتبار”.

في هذا الصدد، تلفت إلى أنها تدعم زميلا يقوم بنشاط خيري دولي مثير للاهتمام، وهو يشارك بشكل خاص في تعزيز التوأمة بين البلديات والمجتمعات المحلية في بلدان مختلفة بهدف بناء شراكة حقيقية ودائمة.

وتؤكد أن هناك مواضيع تؤثر على تاريخنا، ولكن من الضروري أن نميّز بين هذه المواضيع. والأمر نفسه ينطبق على الدول العربية؛ فالغالبية العظمى من الناس شرفاء ومحترمون. وللأسف، هناك “خلية” عنيفة، ولكن لا يمكننا أن نسمح لأقلية واحدة أن تحدد حضارة بأكملها.

وتختم سيمونا بونورا حديثها لـ”العرب” قائلة “لكسر هذه الصورة النمطية، علينا أن نظهر الواقع العربي الذي لا يظهر في الأخبار: الابتكار العلمي، والشركات الناشئة النابضة بالحياة، والنجاحات الأكاديمية. ولكن قبل كل شيء، نحن بحاجة إلى التواصل الإنساني: تحفيز السياحة، والتبادل الجامعي، وكما سبق أن قلت، استخدام الثقافة. الفن والأدب هما أقوى الأسلحة التي نملكها لكسر جدران المجهول”.