حسن مدن

صدّق أو لا تصدّق

أحياناً يصدّر الواحد منا حديثاً لمن يحدّثه بالعبارة القائلة: «صدّق أو لا تصدّق»، حين يودّ إبلاغه حكايةً أو خبراً ينطوي على غرابة أو مفارقة أو ما يشبههما، فما سيلي هذا التصدير يدخل في خانة عير المتوقع، حتى أن الصحف القديمة كانت تفرد زاوية بهذا العنوان تُضمنها محتوى مشابهاً.
حاولنا تقصي أصل هذا التعبير وإلى من ينسب اجتراحه أول مرة قبل أن يصبح قولاً معتاداً، وما إذا كان مرتبطاً بمناسبةٍ أو حكايةٍ ما في تراثنا أو في تراث الآخرين، فلم نوفق، لكن حتى لو لم تكن له حكاية، فإنه بات دارجاً في أحاديثنا نلجأ إليه لشدّ انتباه من نخاطبه لما سنورده من قول مفاجئ أو غريب.
يندرج «صدّق أو لا تصدّق» في ثنائية الصدق والكذب، حتى لو لم ترد المفردة الأخيرة في القول، فنقيض الصدق هو الكذب، كأن لسان حالنا ونحن ننطق تلك العبارة يقول لمن نخاطبه: «أنت حرّ في أن تُصدق أو تُكذب ما نقول»، وهي عبارة تنطوي على استدراك مضمر فحواه: مع أن ما نقوله صحيح تماماً.
وبين أهل الأدب، والشعر خاصة، من قدامى العرب، نشأ سجال قريب من ثنائية الصدق والكذب. قال صاحب «عيار الشعر»، ابن طبابا: «أعذب الشعر أكذبه»، فكلما زاد في الشعر الخيال وكثر ابتكار الصور زادت عذوبته، فردّ عليه الأمدي صاحب «الموازنة»: «أجود الشعر أصدقه»، فيما رأى المرزوقي صاحب «شرح حماسة أبي تمام»: «أحسن الشعر أقصده»، أما حازم القرطاجني فذهب إلى أن «غاية الشعر التعجيب وليس يُسأل فيه عن الصدق والكذب».
لا شأن للشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري بهذا السجال، انسجاماً مع رؤيته الناقدة لكل ما يرى، حين قال: «عودٌ يُصَدِّقُ، أو غِرٌّ يكذِّبُ، أو مُرَدَّدٌ بين تصديقٍ وتكذيب»، ولمفردة «عَودٌ» الواردة في مطلع البيت، عدة معانٍ، بينها الجمل المسن، وفي دارجتنا الخليجية تطلق المفردة ذاتها على كبيري السن، فنقول: «رجل عود» كأننا بأبي العلاء قصد القول بأنه بصرف النظر عن عمر القائل، «عوداً» كان أم غضّاً، ما من قول يقال لوجه الصدق حتى وإن كان صادقاً.
ها نحن نعيش الزمن الذي حاصرنا فيه طوفان وسائل التواصل الاجتماعي وهي تبث في كل دقيقة آلاف الأقوال و«الأخبار» التي ما من تعبير ينطبق عليها أبلغ من «صدّق أو لا تصدّق»، بالنظر إلى كم الزائف والمفبرك منها، قولاً أو صورة، ناهيك عن المسعور من التعليقات.
لكن العرب قالت أيضاً: «صدق الكلم من جرح الألم». الكلمات الأكثر صدقاً تولد من رحم المعاناة والتجارب المؤلمة، فجرح الألم أصدق في تعبيره من الكلمات العابرة، وقد يكون سبباً في الحكمة والتعلّم والسمو على الصغائر.

جريدة الخليج