«إن الأفكار العظيمة تأتي في لحظات الانتباه العميق، لا في لحظات التشتت».
حين تجلس اليوم لتفتح ذلك الكتاب الذي طالما انتظرته، تتلاشى الحماسة بعد صفحات قليلة.
تعيد قراءة الفقرة ذاتها دون أن يستقر معناها. يهرب عقلك بهدوء، وتمتد يدك، بلا وعي، نحو الهاتف، كأنك تخشى الصمت. تغلق الكتاب متنهداً، لا لقصورٍ فيه، بل لأنك فقدت القدرة على الاستمرار.
هنا نكتشف أننا نواجه نوعاً جديداً من العوز: فقر الانتباه.
لم يعد الفقر خلو الجيب، بل فقدان القدرة على الحضور، أن تفقد السيطرة على عينيك وعقلك. الانتباه ليس رفاهية، بل هو عملة الحياة الحقيقية، فنحن لا نعيش الأيام، بل اللحظات التي ننتبه إليها، وحياتك هي حصيلة ما منحتَه تركيزك.
لهذا الفقر ثمن باهظ. معرفياً، أصبحنا «جيل العناوين»: نمرّ على السطور دون فهم، نلتقط قشور المعرفة ونعجز عن الغوص في لبّها. الفهم العميق يحتاج إلى نفس طويل، وانتباه متصل، لا تسمح به حياة التنبيهات المتلاحقة.
وإبداعياً، ارتكبنا خطأ حين قتلنا الملل.
تلك اللحظات كانت فراغاً مثمراً، تختمر فيه الأفكار. وحين ملأنا كل صمت بشاشة، حكمنا على عقولنا بالجري الدائم: لا وقت للتأمل، ولا مساحة لولادة فكرة جديدة.
أما الأثر الأشد قسوة فيظهر في علاقاتنا الإنسانية. لا يمكنك أن تحب بعمق وأنت تمنح انتباهاً مشروخاً. الحضور بنصف عقل هو شكل من أشكال الهجران الصامت.
الانتباه أندر أشكال الكرم، وإذا كانت حياتك هي ما أعطيته انتباهك، فكيف ستكون حصيلة عمرك إذا عشت مشتتاً؟ ربما الغنى الحقيقي اليوم ليس في امتلاك المزيد، بل في القدرة على إغلاق كل شيء، والجلوس مع فكرة واحدة، أو إنسان واحد، بكامل انتباهك.
- 0097142243111
- info@alowais.com
- 2026-03-07 6:57 م