لا تمرّ دورة من دورات معرض الشارقة للكتاب إلا وألتقي أحمد العسم في إحدى الدور يُوقّع على إصدار جديد له، أو في ممر من ممرات المعرض أو في إحدى ندواته، وفي ألبوم جوالي صور تجمعنا في بعض هذه المناسبات، ومن أجمل الذكريات نهار كامل قضيناه في مسقط رأس العسم، الإمارة التي يعيش فيها وتشدّه إليها بحبّ ذكراة ممتدة: رأس الخيمة، حين أتيتها، قبل سنوات، معية الزميلة دينا الأمير، للمشاركة في منتدى عربي حول قضايا المرأة استضافته الإمارة يومها، وكان لي شرف تقديم ورقة فيه.
من رأس الخيمة هاتفتُ أحمد العسم. قلت له: أنا هنا وأتمنى أن نلتقي إن سمح ظرفك. واتفقنا على اللقاء في اليوم التالي لانتهاء المنتدى، حيث تفصلنا ساعات كافية عن موعد العودة، مساء، إلى البحرين. قصدنا أحمد في فندقنا وأخذنا في جولة في أرجاء رأس الخيمة، حول جبالها وسهولها وأحيائها القديمة وبيوتها. يقود بنا السيارة ويشير بيديه إلى الأماكن شارحاً، وعن سيرة البيوت كان يقول أحياناً: في هذا البيت ولد أو عاش الشاعر أو الكاتب الفلاني، وما أذكره الآن البيت الذي ولد فيه الشاعر والأديب عبد العزيز الجاسم، كيف لا ورأس الخيمة ولاّدة بالمواهب في الشعر والقصة والرواية والرسم وغيرها؟ أليست هي التي وهبت العرب والعالم الملاح الشهير شهاب الدين بن ماجد؟ وفي العصر الراهن يرد عدد كبير من أبناء رأس الخيمة الشعراء والأدباء، بينهم من توفاه الله مثل جمعة الفيروز، الشاعر والكاتب المولع بالرسم وعازف الموسيقى، وثاني السويدي مؤلف «الديزل» التي وصفتها الروائية ريم الكمالي في منشورٍ لها، قبل أيام، بأنها رواية «لا تنسى في تاريخ الأدب الإماراتي».
من رأس الخيمة وعنها وضع أحمد العسم كتابه الجديد «داخل رأس الخيمة» الذي وصفه في عنوان شارح ب«سيرة ثقافية واجتماعية للدائرة الضيقة»، وفيه نقف على توليف عذب بين سيرة الذات وسيرة المكان، بين طفولة الشاعر وذكرياته والمكان من حوله، فرجان رأس الخيمة القديمة، ونمرّ تحت ظلال أشجار «الغاف» فيها، ونجول في أزقتها وأسواقها، ومن صفحات الكتاب أيضاً نطلّ على رأس الخيمة التاريخ والجغرافيا، على بحارة رأس الخيمة الذين يغادرون البلد ويرحلون محاطين بالنوارس: «يخاطبون البحر والموجة الضحوك التي ترافقها الأيام».
«داخل راس الخيمة» تطواف آسر مع الشاعر الباحث عن «شيء كبير يوازي طموح النسر في اقتناص اللحظة»، الراغب في البرهنة على أنه «خفيف الوزن وقادر على الصد».
في خاتمة نصٍ كتبه أحمد من وحي لقائنا في رأس الخيمة قال على لسان الجبل: «كيف أحرس الشعراء؟». في كتابه هذا يبدو أحمد هو الحارس لا للجبال وحدها، وإنما للمكان كله.
- 0097142243111
- info@alowais.com
- 2026-03-07 5:56 م