بعض الأفلام لا تبدأ على الشاشة، بل في تلك المساحة الصامتة بينك وبين توقعاتك. دخلت مساء الجمعة، 21 نوفمبر الماضي، سينما فوكس في وافي مول دبي لأشاهد العرض الأول لفيلم “أطياف ذلك الضوء”، دون أن أعرف ما الذي ينتظرني. لم أكن أعرف القصة، ولا مسارها، ولا حتى الرجل الذي تجسده الملامح المرسومة على الملصق. كل ما كنت أعرفه أن المخرجة هي نجوم الغانم، الفنانة الإماراتية البارزة التي تفتح في أعمالها مساحة هادئة يتوقف فيها الزمن قليلاً.
ولكن عند مشاهدتي للفيلم، لم يكن عرضاً لفيلم وثائقي بالمعنى التقليدي للكلمة، بل كان تجربة تشكلت من مزيج رائع من النفس والضوء والذاكرة. تمتلك نجوم الغانم قدرة نادرة على سحب المشاهد إلى بُعدٍ معلّق، وكأنك تعبر من خلال فتحة خفية صغيرة إلى حالة أعمق من الإدراك. يحمل فيلم “أطياف ذلك الضوء” هذا التوقيع الشفاف حيث يطوّقك برفق، ويقودك عبر الصوت والضوء والشهادة، إلى أن يصبح حضور سلطان بن علي العويس محسوسًا للدرجة التي تشعر وكأنه يكاد أن يلامسك.
بدأ الفيلم بخطٍّ مرسومٍ مجرّد لملامح وجه سلطان بن علي العويس. ومع توالي الأصوات، وتدفق الحكايات، يبدأ هذا الخط في اكتساب لونٍ وملمسٍ ووزن. يتحوّل الفيلم إلى عملية تشبه إلى حد كبير عملية استعادة الأحداث والذكريات، من حيث جمع الشذرات، إضافة النبرة، واكتشاف العمق. وخلال ذلك كله، يظلّ الضوء هو الدليل الهادئ، الخيط الشفّاف الذي يحملنا من ذكرى إلى أخرى، إلى أن يكشف لنا نور روحه. وبحلول نهاية الرحلة، يكتملُ البورتريه الذي رسمته نجوم الغانم، مجازياً وفعلياً. ما يبدأ كإشارة باهتة يتحوّل تدريجياً إلى حضورٍ كامل، يتكشّف طبقةً بعد طبقة، بحساسية رسّامة وبحكمة شاعرة تُمسك بالمعنى دون أن تُفصح عنه دفعة واحدة.
دخلت العرض من دون أي معرفة مُسبقة بسُلطان العويس. وغادرتُ وأنا أشعر كما لو أنّني قضيتُ أمسية كاملة برفقته. وُلد سلطان العويس عام 1925 في منطقة الحيرة بالشارقة، وكان رجل أعمال وشاعراً، وإنساناً معطاءً خيراً، ورائداً من روّاد الحراك الثقافي في منطقة الخليج العربي. لم يدخر جهداً في دعم الصيادين والغواصين، وستثمر في التعليم، وأسّس شركات رائدة، وأنشأ المؤسسة الثقافية التي لا تزال حتى اليوم تكرّم الكتّاب والباحثين والمبدعين العرب عبر واحدة من أهم الجوائز الأدبية المستقلة في المنطقة. كان رجلاً واسع التأثير، لا تُغيّره الثروة ولا يربكه المنصب. ظلّ بيته مفتوحاً للجميع، حيث عاش ببساطة، وكتب الشعر بصدق بعيداً عن الاستعراض أو الادّعاء.
تمكنت المخرجة نجوم الغانم بحسّها الشاعري من استحضار هذا الجوهر بدقّة لافتة. فهي تبني عمقاً عاطفياً من تفاصيل حسّية صغيرة: صوت التنفّس تحت الماء، اتساع الموج، حركة الظلال على جدار أبيض ذي ملمس خشن. وتظل تلك اللحظة تحديداً، حين بدا الجدار وكأنه يبكي عند رحيله، عالقة في الذاكرة. إنها لحظة شاعرية خالصة بالصورة وحدها التي تُجسّد حالة الشعور بالفقد من دون الحاجة إلى النطق بكلمة واحدة.
كل قرار في الفيلم يعكس ضبطًا واعيًا وإيقاعًا محسوبًا، حتى أسماء المتحدّثين لا تظهر إلا في النهاية، لتترك كلماتهم قائمة بذاتها دون أن تُثقلها التسميات أو التوقعات. اللقطات نظيفة والإيقاع مدروس، ولا شيء يشوّش على إيقاع الفيلم، حيث إن كل مشهد فيه يشدّك إلى الداخل. وعندما بدأت شارة النهاية، بقيت أنا وأصدقائي جالسين في حالة من الصمت، حيث خلق الفيلم في داخلنا سكونًا احتاج إلى لحظات كي يستقر، وهذا هو المعيار الحقيقي للفن: أن يُحدث فيك تحوّلًا خفيًا، دون أن يُعلن عن قصده.
وبعد مشاهدتي للفيلم، يبقى السؤال الذي يراودني وهو لماذا لا يعرف الكثير من الشباب الإماراتيين والعرب هذا الرجل أو الإرث الذي تركه وراءه؟ في طريقي إلى صالة العرض، كنت في المصعد مع شابتين إماراتيتين كانتا أيضاً في طريقهما لمشاهدة فيلم. لم تكونا تعرفان من هو سلطان العويس، ولا كانتا على دراية بالمخرجة، عندها أدركت مدى حاجتنا الملحّة إلى منصّات تُعرّف بالأعمال التي قدّمها روّاد الفن الإماراتي، وتحفظ تقاليد السرد العربي وتُبقيها حيّة وماثلة أمام الأجيال الجديدة.
لقد أنجبت منطقتنا شخصيات بارزة كان لحياتها أثر عميق في مسارات التعليم والثقافة والعمل الخيري والتعبير الفني. مثل هذه القصص لا ينبغي أن تُترك لاكتشافها بالصدفة المحضة، فهي تستحق أن تُصان وتُحفظ، وأن تُنقل إلى الأجيال الجديدة ليشهدوا ما يمكن أن يتحقق حين تجتمع الغاية والإبداع والخدمة في شخصية واحدة.
وبالنسبة لي، حمل هذا التوقيت معناً شخصياً، كوني أعمل حالياً على إعداد ديواني الشعري العربي الأول، ومشاهدة هذا الفيلم التكريمي لرجل جمع بين الخدمة والإبداع طوال حياته، جعلت التجربة أكثر رسوخاً وعمقاً. لقد عاش سلطان العويس بسخاء، بنى، ودعم، وأسهم، وكتب، لذلك رؤية حياته تُصاغ بهذا القدر من العناية أشعرتني بأنني أمام نموذج حيّ لإمكانية أن يعيش الإنسان عمره بنزاهة وعمق ومعنى.
“أطياف ذلك الضوء” ليس مجرد فيلم يوثّق الذكرى المئوية لشخصية إماراتية استثنائية؛ إنه عمل سينمائي ينصت ويتنفس ويكشف. لقد نجحت نجوم الغانم في أن تُجسّد روح رجل، ونسيج عمرٍ كامل، في ستين دقيقة فقط، دون أن تفقد الدقة أو الصدق العاطفي. إنه من النادر أن يخرج المرء من صالة السينما وهو يشعر بأنه التقى إنساناً لم يعرفه من قبل. وأعتقد أن الراحل سلطان بن علي العويس كان ليفخر كثيراً بهذا العمل، فهو ليس مجرد مرثية بصرية، بل مساحة نابضة بالضوء تستعيد أثره وتقدمه للأجيال بلغة بصرية تحفظ قيمته الفنية والإنسانية.
