“المثقفون يمكنهم أن يُساهموا في بناء مجتمع أكثر تحضراً وثقافة”
المشهد البانورامي لمئات السوريين على مقاعد المكتبة بدمشق يحضرون احتفالية الدورة الأولى لـ”جائزة خالد خليفة للرواية” كان رسالة واضحة لانتصار الثقافة على الجهل والتهميش، رسالة بعثها مثقفون من كل أطياف الزمن السوري إلى العالم وكأنهم يؤكدون أن سوريا ولّادة وتحت سمائها جيل جديد، قوته في معرفته، وطاقته الشبابية ذاهبة نحو غد لا يمكن سرقته.
شكلت الجائزة منصةً مهمةً لتعزيز الحركة الثقافية في سوريا، وتأتي في وقتٍ يشهد فيه المجتمع السوري تحولات كبيرة على مختلف الأصعدة، ليس أقلها تشويه وجه المدينة السورية، بل بتشويه الزمن ليكون حالة هيجان تشبه سعار الأوبئة فتكاد حمى القطيع تنتصر لولا قوة المثقف الذي لم يركن إلى حالة اليأس واللا جدوى التي وصل إليها في زمن الأسدية.
كان واضحاً للعيان مشهد القاعة الممتلئة خلال حفل التكريم، أن الذين أتوا من مختلف المناطق، لم تكن إحياء الذكرى الثانية لرحيل خالد خليفة هي التي جمعتهم فقط، كان هناك دافع قادهم في حالة لا شعورية نحو التعبير بوصفهم كتلة بشرية متشابهة البنية الفكرية والوقوف في قاعة رمزية كالمكتبة الوطنية معلنين أن المثقف قوة اليوم والغد، وأن تعدد الألوان والأطياف في سوريا هو الداعم الحقيقي لوطن ما بعد الديكتاتورية.
رسالتهم كانت جلية “المثقفون يمكنهم أن يُساهموا في بناء مجتمع أكثر تحضراً وثقافة، ومن خلال أفكارهم وآرائهم، ويعززون من دور الأدب والفن كأدوات للتغيير الاجتماعي والثقافي”، وهذا ما أفصحت الحركة الجماعية ذات الصبغة الشبابية التي حضرت في المكتبة الوطنية.

كان المشهد البصري متنوعاً بفروقاته الطبقية والاجتماعية والدينية، ولكن من يهتم لهذا التباين ما دام هناك فضاء أكبر يتسع للجميع، ولعلها كانت الرسالة الأبرز في هذا التجمع “نحن متشابهون لأننا سوريون”.
حفل توزيع الجائزة لم يكن حدثاً ثقافياً ينفضّ عنه الناس سريعاً أنه يؤسس لما هو أبعد من صعود المكرمين إلى المسرح، وكأن سوريا تدافع عن حضورها من خلال هذه الفعالية، وربما غيرها من الفعاليات التي يظن أغلبنا أنها قد يصيبها العطب حسبما تفرزه أصوات افتراضية من خلف عالمها الافتراضي، لكن “جمهور” “جائزة خالد خليفة” أثبت عكس هذه الفكرة، وربما حرر الخوف الكامن في لاوعينا ليكون خوفاً خلاقاً، وليس خوفاً من مجهول تصح فيه مقولة المتنبي “غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ”.
جريدة النهار