بمناسبة تكريمه في اليونسكو
أمين الزاوي: العويس والمواطنة وتثقيف المال العربي

يتميز تاريخ العلاقة لدينا بين رجال المال والأعمال، وبين رجال الفكر والإبداع، بحالة من التوتر المزمن، وهو ما جعل الكتاب يتحسسون من كل مال خاص قد يصب في باب تشجيع أو رعاية الأدب والفكر. في المقابل ظل رجال المال والأعمال يتأففون من الأدباء ويعتبرونهم أصواتًا نشازًا، وينظرون إليهم نظرة الريبة والحذر. وعلى مدى قرون طويلة، ظلت فكرة التبرع بالمال الخاص مقتصرة على بناء المساجد والجوامع والكتاتيب القرآنية، وهي ظاهرة منتشرة من المحيط إلى المحيط، فأول ما يفكر فيه رجل المال والأعمال حين يريد أن «يفعل خيرا»، هو التبرع لأمر ذي طابع ديني.
وهو سلوك جمعي سسيونفسي عريق وسائد في بلادنا، وفيه تنافس كبير وحاد، حتى إننا قد نجد في بعض الأحياء ثلاثة مساجد أو أكثر، لا يبعد الواحد عن الآخر إلا ببضعة أمتار. وفي المقابل قد لا نجد في الحي نفسه مكتبة أو عيادة طبية أو مركزًا ثقافيًّا أو صالة للعروض السينمائية. وقد وصل هذا التنافس بين المتبرعين أن بعض أصحاب النوادي الليلية أصبحوا هم أيضًا يلهثون لتشييد مساجد تحمل أسماءهم، أو يساهمون في بنائها في قراهم ومداشرهم، كل ذلك بغرض محو الذنوب و«غسل العظام»! وأحيانًا تبييض المال.
مراتب التبرع
تحتل الرياضة، وبالأساس أندية كرة القدم، المرتبة الثانية في سلم التبرعات والدعم الذي يقدمه رجال المال لمؤسسات المجتمع، فلعبة كرة القدم التي أصبحت عقيدة شعبية في عصرنا هذا، هي الأخرى تستحوذ على عقولهم؛ لأن التبرع في هذا المجال يبدو، من باب الرأي الساذج، أنه تبرع «للعب» و«التسلية» التي لا تحمل بعدًا أيديولوجيًّا؛ إذ ينسى الكثيرون أن كرة القدم هي ساحة أولى للاستثمار السياسي بعد الاستثمار في الدين، فملايين الشباب وغير الشباب يعشقون هذه اللعبة ويتابعون أنديتها بشغف يصل إلى حافة الجنون. وبالتالي فإن كل متبرع لصالح نادٍ من أندية كرة القدم هو محمي ولو رمزيًّا من قبل مناصري هذا النادي.
إلى فترة قريبة جدًّا ظلت الثقافة هي المشروع الملغم الذي يخيف أصحاب المال والأعمال، وباتت الثقافة والجمعيات الثقافية والنوادي الأدبية والمؤسسات الثقافية المرتبطة بالنشر والإبداع غير مرغوب فيها. فالمؤسسات الثقافية والنوادي الأدبية هي الأكثر فقرًا في العالم العربي وشمال إفريقيا، هذا الوضع سببه الخصوصية التي يتميز بها العمل الثقافي والإبداعي، وهو الإيمان بالدفاع عن التنوع وعن حرية الرأي والحرية الفردية والجماعية وتكريس العلاقة مع الآخر المختلف، إضافة إلى ذلك، يظل الأدب والفكر عملًا نخبويًّا لا يصنع شعبية كبيرة للمتبرع في هذا الباب. وأمام هذا الوضع السياسي والديني والاجتماعي فإن كل متبرع لصالح الثقافة والمثقفين والمبدعين يعد مواطنًا يتمتع بشجاعة واستقلالية في الرأي.

ظاهرة سلطان العويس
أن يظهر تاجر في بلاد تكاد تكون خالية من تقاليد رعاية الأدب من قبل أصحاب المال، تاجر يعيش في مجتمع خليجي تقليدي لا يمثل فيه الأدب همًّا مركزيًّا، ويقرر تخصيص جزء من ماله الخاص لإطلاق جائزة أدبية وفكرية كبيرة وجادة، تمنح للكتاب والمفكرين العرب على إنتاجهم في مجال القصة والرواية والمسرحية والشعر والدراسات الأدبية والنقد والدراسات الإنسانية، ويرصد لها قيمة مالية معتبرة؛ لتصبح أكبر جائزة عربية من ناحية قيمتها المالية، مُتحدِّيًا الفكر النمطيَّ الذي تُراوِحُ تبرعاتُه ما بين الديني والرياضي، بهذا الإقدام يمثل العويس حالةً متقدمة حضاريًّا وثقافيًّا وسياسيًّا ومؤسساتيًّا.
هذا الموقف الذي يسجله العويس يُعَدُّ سابقًا على عصره، سابقًا على المنظومة الفكرية التقليدية السائدة. إنه موقف تاريخي مفصلي يؤشر على دخول الوعي الجمعي والفردي للمال مرحلة من تجربة العقل الخليجي المعاصر والمجتهد.
إن التبرع لصالح الإبداع والفكر وتخصيص المال لدعم هذا القطاع والمشتغلين فيه تعد في حد ذاتها شجاعة فكرية وسياسية، لما للإبداع والمبدعين في مجتمعاتنا من صور نمطية سلبية صادرة عن أحكام مسبقة راكمتها القوى المعادية للفن والإبداع والفكر الحر.
إن تجربة سلطان العويس، من خلال الجائزة والمؤسسة الثقافية التي تحمل اسمه، تعتبر عملا فريدا ينم عن وعي فكري متقدم يراهن على دور الأدب والفكر في تغيير المجتمع وفي تغيير السياسة وفي تغيير العلاقة بين المال والإبداع، وفي تغيير الفرد العربي.
بمثل هذه الجائزة يرسل العويس، وبشكل غير مباشر، خطابًا تاريخيًّا مفصليًّا مفاده: كلما دخل رجال المال والأعمال مربع الثقافة التنويرية ووقفوا إلى جانبها ودعموها، مع المحافظة على استقلاليتها وحرية النخب التي تمارسها، فإنهم بمثل هذا السلوك يعلنون أن المجتمع قد بدأ دورة حضارية جديدة وأن المال العربي قد بدأ يتثقف؛ لأن الثقافة التنويرية هي التي تحصنه من الانحرافات التي قد تهدده.
تمثل حالة سلطان بن علي العويس في المشهد الثقافي العربي منعطفًا مميزًا في علاقة المال بالثقافة والإبداع والفكر، في علاقة المال بحرية الإبداع، وبمثل هذه المبادرة يعاد صياغة السلوك الفردي والجماعي عند الفرد العربي، ويُكَرَّس لمفهوم المواطنة، التي هي القاعدة الأساسية في بناء استقرار مجتمعي قائم على خصوصية ثقافية ولغوية، تفتخر بتاريخها، منفتحة على العالم ومتحررة في الوقت نفسه من أمراض التطرف والعيش في الجيتوهات المسيجة.
روائي وكاتب جزائري

مجلة الفيصل