نبوكو – نبوخذنصر – بقلم خالد القشطيني

خالد القشطيني

ظهرت في القرن التاسع عشر الحركة الصهيونية بوصفها ردَّ فعل ضد انتشار وتعاظم الحملة العنصرية المعادية للسامية. وبوحي الفكرة الصهيونية ظهرت أعمال أدبية وفنية عدة بقلم يهود وغير يهود، تُصوّر قيام دولة يهودية تحتضن اليهود؛ كانت منها الرواية التي كتبها هيرتزل؛ أبو الحركة الصهيونية، بعنوان «وطن قديم – جديد». صوّر فيها قيام الدولة اليهودية وكل ما تميزت به من حضارة ومدنية.
انقرض معظم هذه الأعمال الأدبية باستثناء رواية هيرتزل التي تبنتها إسرائيل والمنظمة الصهيونية. ولكن كان بين الأعمال التي انقرضت رواية مسرحية فرنسية، لم يكن لها أي شأن. وكانت تمثل هجوم البابليين على القدس أو «أورشليم»، كما جاء اسمها في الرواية، واستعباد سكانها اليهود وسَوْقهم إلى بابل.
قرأ المؤلف الموسيقي الإيطالي الشهير غوسيبي فيردي هذه المسرحية. وكان قد صاحبه الفشل في محاولاته الأوبرالية وعقد العزم على التنحي عن دنيا الأوبرا. بيد أن المسرحية الفرنسية أثارت فضوله واهتمامه وأوحت له بمواصلة مسعاه الأوبرالي بتأليف أوبرا جديدة تستوحي الفكرة الصهيونية عن مصير الدولة اليهودية. ولا بد من أنه سمع كل هذا الضجيج عن إقامة هذه الدولة. كلّف أحد المختصين بكتابة النص مع تجاوز المصداقية التاريخية، كما يحدث دائماً في عالم الأوبرات.
وكان أول خروج له عن التاريخ تغيير اسم الملك نبوخذنصر إلى «نبوكو» ليسهل على المغنين تلفظه. كما خلط بين هويته ملكاً بابلياً وكونه ملكاً آشورياً. وتراكمت المغالطات التاريخية. لا يذهب المرء للأوبرا ليتعلم التاريخ، بل ليستمع للأغاني والموسيقى. وفي عام 1842 كان العمل قد اكتمل وتدرب العازفون والمغنون بما فيه الكفاية لأداء أدوارهم. وهكذا قُدمت هذه الأوبرا الخالدة ليلة التاسع من مارس (آذار). وكانت ليلة خالدة أعادت غوسيبي فيردي إلى دنيا التأليف الأوبرالي. استمعت إليها فهزّتني مقاطع كثيرة منها، ما لبثت أن شاعت في العالم الموسيقي، كالأنشودة الخالدة للأسرى اليهود يتغنون فيها بذكريات وطنهم في أورشليم، وحنينهم للعودة إليه، ودعائهم للرب ليخلصهم من عبوديتهم.
من المقاطع الموسيقية الأخرى التي هزّتني وخلّدت في ذهني المارش الموسيقي للجيش البابلي. ويظهر أن غوسيبي فيردي قد تأثر به أيضاً، فراح يردد ضرباته الإيقاعية في شتى المواقف.
بيد أن المصداقية التاريخية لهذا العمل قد تمزقت كلياً. فبطل الأوبرا، نبوكو يدخل في حلم سوريالي يعرّضه للهوس والجنون، فبينما يهتف قادته بعزمهم النازي على إبادة كل اليهود، نرى نبوكو يتحول إلى الإيمان بدين اليهود وينضم إليهم ويعطيهم الحرية في العودة لوطنهم.
قلّما يوجد عمل أوبرالي من دون جوانبه الغرامية. هناك مغنيات على المسرح ينتظرن أدوارهن ليغنين ويصرخن في آذاننا، وإلا فما معنى مجيئهن وظهورهن على خشبة المسرح؟ نجد خليطاً من السيدات يقعن في حب هذا وذاك من شخصيات الأوبرا. نجد أن ابنة نبوكو قد وقعت في حب سفير يهودا، وهلم جرا… بما عقّد عليّ النص وضَيّع بعض الألحان الخالدة.
وكما قلت أولاً؛ تعبّر نبوكو عن ذلك الهوس الذي اجتاح الساحة الأوروبية في القرن التاسع عشر بصدد أحلام الصهيونية في بناء دولتهم.

جريدة الشرق الاوسط