لغة عربية جديدة! – بقلم طالب الرفاعي

طالب الرفاعي

هل أصبحت اللغة العربية غريبة بيننا؟ بحيث تُضاء شموع شجرتها الوارفة في يوم واحد بالسنة! فلقد اعتمدت إدارة الأمم المتحدة للتواصل العالمي، يوم 18 ديسمبر من كل عام، يوماً للاحتفال باللغة العربية، وهو التاريخ نفسه الذي اعتمدت فيه المنظمة نفسها اللغة العربية واحدة من ضمن اللغات الرسمية بها، وكان ذلك عام 1973.

بداية، لستُ ممن يقول بتهويل الخوف على اللغة العربية، فنظرة خاطفة على كمية الإصدارات الجديدة التي تخرج من دور النشر، باللغة العربية، حول العالم، تقول بما لا يدع مجالاً للشك، بوجود ناطق باللغة العربية، وكاتب بها، وقارئ لها، خصوصاً مع الازدياد الكبير بعدد هذه الإصدارات يوماً إثر يوم، وأن نسبة كبيرة جداً من هذه الإصدارات بأقلام شبابية!

إنني أخشى على اللغة العربية من ثلاثة أمور، أولها هو تربية نشء عربي غريب عنها، لا ينطق أو يقرأ أو يكتب بها. والثاني، جمود مجمعات اللغة العربية وكسلها وعزوفها عن إصدار قواميس عربية معاصرة ومنقّحة ومزيدة، تساير اللحظة الإنسانية الحاضرة، وتعيش عوالمها، سواء كل خمس سنوات، أو كل عشر على أبعد تقدير.

والثالث هو التحدث بها خلطاً باللغة الإنكليزية، مما يكسر رتمها، ويشوّه جمالها، خاصة أن البعض يعتقد أن ذلك يُعلي من شأنه، وأن معرفته بلغة ثانية، إنكليزية أو فرنسية، تعني أنه مثقف!

إن أهم ما أحدثته العولمة خلال العقدين الماضيين، هو نشر وعي بين الشباب، بعيش عوالم اللحظة الآنية العابرة بنفس مذاقها ونكهتها الموحدة، بشكل يكاد يكون متطابقاً تماماً في جميع دول العالم!

ولأن لغة العولمة هي “الإنكليزية”، فإن ناشـئة وشباب العالم أصبحوا يعيشون نبض لحظتهم، بتجدد أحداثها المتسارع باللغة الإنكليزية، وهذا، بدوره، خلق أجيالاً عربية، تفكّر وتجيد استخدام اللغة الإنكليزية نطقاً وكتابةً أفضل مما تفعل باللغة العربية، علماً بأنهم عرب أبناء عرب. بل ووصل الأمر ببعض أبناء العرب، الذين يعيشون بيننا وفي أقطارنا العربية، أنهم لا يعرفون التحدث بلغتهم الأم!

إن لغة حفظها كتاب الله بين مسلمي الأرض، كفيلة بأن تبقى، لكن الأهم هو استمرارها بثوب يتماشى ونبض العصر، وهنا مربط الفرس، فاللغة العربية أحوج ما تكون إلى منهاج دراسي إنساني النزعة، وعصري الطريقة، يستنبط قواعد تعليمها لطلبتها وفق ما هو معمول به في أنظمة التعليم بمختلف أقطار العالم المتطور.

فإحدى أكبر مشاكل اللغة العربية، أن مدارسنا ما زالت تقدمها معتمدة على قاموس المحيط، ومختار الصحاح، وتاج العروس، والمنجد، وما شابهها، وليس في هذه القواميس أي شيء ينتمي أو يشبه عالم اليوم الذي نحيا! فمن ذلك المتفرغ الذي يضيع وقته بحثاً عن معنى كلمة مدسوسة بين عشرات، بل مئات الألفاظ؟! وأي علاقة تجمع بين وعي أبنائنا الذين باتوا يدرسون عبر تقنيات العالم الافتراضي، وبين قواميس انهالت عليها أتربة الأزمنة حتى كادت تطمرها!

اللغة العربية، الغنية، والعميقة والمتصلة فيما بين عوالمها الجميلة، بحاجة إلى من يسهر عليها، بحيث يستنبط طرقاً جديدة لتدريسها في مدارسنا، وخاصة في مدارس رياض الأطفال والمراحل الابتدائية.

طرق تقوم على التفاعل بين اللغة والمدرس والطالب المتلقي، ليس تلقيناً بائساً، ولكن وصلاً مبتكراً وحديثاً، ولا أظن ذلك صعباً على عقول شباب اللغة العربية، ولا على مؤسسات عربية، رسمية وأهلية، تتخذ من المحافظة على اللغة العربية شعاراً عالياً لها.

اللغة كائن حي، ومن يدرسها بوصفها مخلوقاً محنّطاً ننظر إليه عبر مرآة الزمن السحيق، فإنه يغرّبنا عنها، ويُبعدنا عنها، ويكسّر علاقتنا بها ويهشّمها. نحن بحاجة إلى لغة عربية معاصرة ورشيقة ومتجددة، تعيش معنا في البيت والمدرسة والسيارة وأمام شاشة التلفزيون والكمبيوتر والتليفون الذكي. لغة قادرة على أن ترد علينا بروح علم ومحبة كلما نادينا عليها!

الجريدة