«سيرة الحبايب»لسناء البيسي (1-2) – بقلم عبدالغفار حسين

عبد الغفار

خمس وخمسون شخصيّة من قلب مصر، تناولت الكاتبة القديرة سناء البيسي سيرتها واستعرضت حياتها في كتابها الممتع «سيرة الحبايب». تقول هذه الكاتبة الكبيرة في مقدمة مُختصرة لا تتجاوز أربعة أسطر لكتاب تربو صفحاته على سبعمئة ونيف من الصفحات: «ليس تأريخاً، وإنما تحليق مع باقة جمّعتها من ثمار شجرة الإنسانية لأتذوقها على مهل، وأُحلّق في أجوائها بالخشوع والمُعايشة والصداقة والحُب والتأمل والتأثر، وأنصت لها وأستزيد، فغرامي وقضيتي وحوار عُمري ونبض قلمي ونهج بحثي هو سيرة الحبايب».
والعنوان، «سيرة الحبايب»، عنوان رائع وطريف، ويدل على الصلة الروحية الوثيقة بين الكاتبة والمُترجَمِ لهم، ناهيك أن السيدة سناء البيسي لها أسلوبها الجميل والشيّق في سرد أيّة واقعة تتعلق بمن تتناول سيرهم في كتابها، الذي أعتبره من أحسن ما أخرجته المطابع في هذا الفن، فن السِّيَر والتراجِم والسِيَر الشخصية.
ومن ميزات كتاب «سيرة الحبايب» أنه كتاب شامل وموسوعي يحتوي على خمسة وخمسين من أبطال وحبايب الكاتبة القديرة، سناء البيسي. وعندما تتطرق السيدة سناء إلى شخصية من حبايبها في هذا الكتاب، فإن عبارات الود والعاطفة الجياشين تسيل من قلمها الحنون، وتجعل منها أمّاً ووالدة رؤوماً من هؤلاء الأمهات اللاتي يتحدثن عن أبنائهن ويسكبن الحُب في كل عبارة يتفوهن بها عن الحبايب والخِلان.

ويبدأ الكتاب بسيرة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، تلك السيدة التي لها الفضل الكبير في أن تقف الدعوة الإسلامية على قدميها، وهي في أحلك مراحلها الأولى وتقاوم. وتنتهي صفحات الكتاب التي تصل إلى ثمانمئة صفحه بثومة، ست الحبايب أو ست الكل أو كوكب الشرق، أم كلثوم، التي عقم الزمان حتى يومنا هذا أن يأتي بمثلها في الغناء والطرب والصوت ذي الشدو الجميل والرخيم، وأغانيها ما زالت ترددها السنون على الأذان بشغف وشوق وإعجاب.
«هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفكر، هذه الدنيا عيون أنت فيه البصر. ويا رب كثير اللقاء كان قليلاً. يا رب هل يرضيك هذا الظمأ. يا رب يد تمتد نحوي كيد من خلال الموج مدت لغريق. كان منايا يدوم هنايا ما دامشي ليه. وشوف بقينا إزاي أنا فين يا حبيبي وإنت فين.. وإذا ما سألت القلب يوماً تولى الدمع عن قلبي الجوابا. وبيريحني بكايا ساعات!».
ومن الكبار الذين تناول الكتاب سيرهم ونبذاً عن حياتهم الرئيس محمد نجيب، والرئيس السادات، وزعماء آخرون وكُتَّاب وصحفيون ورجال أعلام ممن كان لهم دور بارز في تاريخ مصر الثقافي والسياسي والاجتماعي، مما يدل على سعة اطلاع سناء البيسي وثقافتها المتعددة والعميقة.
ومن ميزة هذا الكتاب أيضاً، كتاب «سيرة الحبايب»، أن المؤلفة السيدة سناء البيسي بقدرتها على التعمق والغوص فيما تكتبه لا تتوقف عند حد العاطفة وحدها في الحديث عن شخصية معينة في كتابها، بل تحاول أن تدرس حال الشخصية وتحلل سيرتها بأسلوب يتعدى العاطفة إلى التحليل العلمي والموضوعي. وهذه صفة قلما تتاح لكاتب عادي إِلَّا أن يكون هذا الكاتب في مستوى ثقافة وفهم السيدة الجليلة سناء البيسي، التي تقف اليوم شامخة بين نساء العرب اللاتي يتمتعن بثقافة بحثية عالية من تلك التي لا يجد المُتتبع مثيلاً لها عند كثير من الباحثين الآخرين، الذين قد لا يُتاح لهم الغوص العميق في السِيَر الشخصية لمن يتناولون الكتابة عنهم، ويكتفون بالظواهر وما يطفو على السطح.
وللحديث صلة غداً، إن شاء الله. 

جريدة الخليج