رقصة السنابل – بقلم إبراهيم مبارك

ابراهيم مبارك

تهب الرياح وتميل معها السنابل، وتمضي في رقصة جميلة بين السنبلة والهبوب وأوراق الأشجار، مشهد بديع يمتد على مدى النظر، ويكون أكثر روعة عندما تعانق سفوح الجبال وهي مزدانة بالاخضرار مساحة من حقول الذرة والقمح. تعب كثيراً ذلك المزارع الذي طوع المساحات الصغيرة واستغل بعض مسطحات الجبال أو الأودية الضيقة، ثم حوّل تلك الأماكن إلى حقول، غرس فيها ما استطاع من حبوب القمح أو الذرة، لا لغرض تجاري وإنما لسد وكفاية عيشه وقُوته اليومي. المزارع في تلك القرى والجبال إنسان قوي ومتصالح مع بيئته ويستطيع أن يطوعها حسب حاجته، وما يلائم ظروف حياته اليومية. 
نمرُّ بتلك المناطق الداخلية من قرى الإمارات وجبالها، وتأخذنا مشاهد الزراعة التي قامت منذ أقدم العصور، وقد تعجب لفطنة وقوة ساكن هذه المناطق الصعبة وخاصة الجبال، وكيف استطاع أن يزرع هذه المسطحات الجبلية والأودية الضيقة. واستطاع هذا المزارع أن يكون لديه اكتفاء ذاتي في الأزمنة القديمة الصعبة، فهو الحارث والزارع وصانع غذائه مما غرست يداه. هو الباني، والمعمر لأرضه وبيئته ومحيطه، نحن العابرين تأخذنا هذه المشاهد البديعة، تسعدنا الهبوب وهي تراقص السنابل، يمتعنا مشهد الحقول الخضراء الممتدة في الأودية أو الساكنة في بعض مدرجات وسفوح الجبال. 
كل الزراعة الأخرى من الخضار أو الفواكه والحمضيات ونخيل المناطق الداخلية يمكن العناية بها عندما تتوفر المياه، ويمكن زيادة محصولها، واستثمار المنتوج والتكسب من مردوده الزراعي والإنتاجي، ويمكن توسيع المساحات الزراعية عندما تتوفر أدوات الإنتاج والمادة والمياه، إلا أن زراعة القمح كانت فيها بعض الصعوبات، ولا يستطيع المزارع قديماً أن يوسع من زراعتها، حيث يحتاج إلى المياه والري الذي لا ينقطع طويلاً. ربما وحدهم سكان الجبال والمناطق التي تأتيها الأمطار في أوقات منتظمة هم وحدهم القادرون على زراعة الذرة والقمح أو الشعير والدخن.
كانت فكرة التوسع في ذلك النوع من الزراعة تبدو صعبة وربما مستحيلة في الأزمنة القديمة. ولكنّ الحالمين والمؤمنين بأنهم يستطيعون تحقيق كل إنجاز جديد ومستقبلي في الإمارات لا تثنيهم بعض الصعوبات، إذا كانت لديهم المقدرة والعزم على تغيير العوائق الصعبة ودفعها إلى حياة جديدة وفرص جديدة. وقفت، أتأمل فكرة زراعة الحبوب والقمح في منطقة مليحة، وهي فكرة عظيمة بأن تكون في الإمارات إمكانية تنفيذ هذه الزراعة التي تحتاج إلى المياه والعناية الخاصة، نظرت بعد حين، وجدنا أن الفكرة قد نفذت على واقع الأرض والمكان، وأنها قد نجحت وأثمرت وامتدت الحقول على مد النظر. إنها بشارة لنجاح الأحلام الجميلة وإمكانية تعميمها مستقبلاً على مناطق مشابهة كثيرة. إن اليد التي تزرع وتعمر وتبني، يد مباركة وكريمة، والعقول العظيمة لا تولد كل يوم وحين، ولذا فإن علينا استثمار الفكر المبدع. ولنسعد برقصة السنابل مع الهبوب. أعطني، سنبلة قمح وبستاناً أخضر، فأنت تعطيني، الحياة والمستقبل الزاهي.

رقصة السنابل – بقلم إبراهيم مبارك

جريدة الخليج